بحث
المكتبة المقروءة
الأخبار
مواقيت الصـلاة
21-11-2017 الثلاثاء
05:05
صلاة الصبح
06:17
الشروق
11:26
صلاة الظهر
02:12
العصر
04:46
صلاة المغرب
05:56
العشاء
10:41
منتصف الليل
حسب التوقيت المحلي لمدينة بيروت
أهم المناسبات
2017-04-30
3 شعبان
مولد الإمام الحسين (عليه السلام)
2017-05-02
5 شعبان
مولد الإمام السجاد (عليه السلام)
2017-05-08
11 شعبان
مولد علي الأكبر (عليه السلام)
2017-05-12
15 شعبان
مولد الإمام المهدي المنتظر(عج)
2017-05-01
4 شعبان
مولد العباس عليه السلام
أخر الأصدارات
أرسل إلى صديق
بريدك الإلكتروني :
بريد الصديق :
السيرة الذاتية

 

 السير الذاتية للعلماء الأفاضل 

  كبير علماء الطائفة الشيعية في لبنان

 المرجع الديني حجة الإسلام المقدس

السيد محمد حسن فضل الله (قده)

1310هـ - 1392هـ

 نقلاً عن مجلة العرفان – العدد الأول 15 ك2 – 1973 – صفحة 129 – المجلد 61

          لأول مرة، منذ خمسة وعشرين عاماً، والمصلون في مسجد برج البراجنة، بدون إمام.. فلقد ترك جار المسجد جواره، واختاره الله إلى جوار رحمته ورضوانه.

          لأول مرة، منذ ربع قرن أو يزيد، يخيم الصمت المثقل بحرقة الهجر، على منبر الجمعة في ذلك المسجد الكبير العتيق، ولكنك تتلمس من خلال هذا الصمت هيمنات، هي رجع الصدى لصيحات الحق والهدى (عباد الله، أوصيكم بتقوى الله..) يرفعها ذلك الإمام، مفتتحاً بها خطبة الجمعة، لتشع في نفوس المؤمنين الوافدين من كل صوب، وكأنها سكب ضياء.

          أجل لأول مرة تصحو بلدة برج البراجنة، وهي محط رحال الثلث الأخير من الحياة الزمنية للرجل الفاضل، للعلامة الجليل الذي كان، ويصحو معها لبنان، من أقصاه إلى أقصاه، فإذا بالذي كان ملء السمع والبصر، واعظاً وهادياً، مبشراً ونذيراً (..والعصر، إنّ الإنسانَ لفي خسر) يغدو روحاً ترفرف في الملأ الأعلى، لتبدأ مسيرة الخلود اللا متناهية.

          لقد مات السيد محمد حسن فضل الله، فأحسسنا، نحن الذين مازلنا في الحياة الدنيا، بترابيتنا، أن المصباح الذي كان يؤنس وحشة الأنفس في ظلمة هذا الوجود، قد انطفأ، فأرتعشت القلوب لرهبة الفراغ.

          ولكنه هو، رجعت روحه الطاهرة إلى ربها مطمئنة، راضيةً مرضية..رجعت خصلة الضياء إلى موكب النور السرمدي في عليين، مع الشهداء والصديقين، في جنّة عرضها السموات والأرض، أعدت للمتقين.

          ولعله تكريم من الله سبحانه وتعالى، أن يتوفاه في صباح يوم جمعة، اليوم العظيم في حياة المسلمين الذي جعل له الراحل الجليل تاريخاً نورانياً جديدا، عندما بدأ إقامة شعائر صلاة الجمعة لأول مرة في مسجد برج البراجنة، منذ خمسة وعشرين عاماً، فاستقطب حوله المئات من المؤمنين، من الأخوة في الله، يأتمون به، مترسمين خطاه على دروب الرشاد، فكانت هذه البادرة الرائدة منطلقاً لإقامة صلاة الجمعة في كل المساجد، التي لم تشهد من قبل أداء هذا الواجب المقدس!!

          ولقد نعته الطائفة الإسلامية الشيعية في لبنان، عبر الإذاعة والتلفزيون وفي الصحافة، كما لم ينع علم من أعلامها المرجعيين منذ عهد بعيد، وانتشر الخبر في كل البلاد، وفي عواصم العالم الإسلامي، فإنهالت برقيات التعزية تشاطر الطائفة الكريمة أساها، وخفت وفود المعزين، رغم رداءة الطقس وهطول الأمطار، إلى النادي الحسيني الكبير في برج البراجنة، يتقدمهم ممثل فخامة رئيس الجمهورية، ودولة الرئيس كامل الأسعد، ودولة الرئيس صائب سلام، وسماحة المفتي الأكبر الشيخ حسن خالد، والوزراء والنواب، وكبار الشخصيات الرسمية والروحية والمدنية، للمواساة والمشاركة في المصاب الجلل.   

          وفي اليوم التالي، يوم السبت في 4تشرين الثاني 1972،كان اليوم المشهود، يوم الوداع الكبير للراحا العظيم.

          في منزل الفقيد المجاور لمسجد المنشية، حيث سجي الجثمان الطاهر، تجمعت مئات النسوة النائحات يبكين مآثر الأب الروحي لجميع المؤمنين والمؤمنات، ومن خلال التأثر لسماع تلاوة فصول من سيرة أبي الشهداء الحسين (ع).

          وفي النادي الحسيني، في حي الرمل، تلاقى ألوف المشيعين في القاعة الكبرى وفي الساحة المحيطة بها،وقد جاء معظمهم من مختلف الأنحاء اللبنانية، ينتظرون ساعة قيام المسيرة، بقلوب لهفى!

          أما في مجلس النواب، كانت هناك أيضاً رفة حزن واسى تغمر القلوب.. وأقل الوفاء، للرجل الذي كان في المتقين إماماً، كما كان في دعاة التوحد و جمع القلوب في محراب المحبة رائداً، أن تنعكس صورة العرفان والتقدير، في النفوس والضمائر في محراب بيت الأمة.

          فلقد كان قبل ظهر نفس اليوم (السبت) موعد إنعقاد جلسة مناقشة في مجلس النواب.

          وقبيل الساعة الواحدة ظهراً والجلسة ما زالت في أوجها، اضطر الرئيس كامل الأسعد، لإعلان رفع الجلسة إلى الساعة السابعة مساء، لكي يتسنى له المشاركة مع نواب الطائفه وعدد كبير من نواب الطوائف الأخرى ومع الحكومة، في تشييع جثمان العلامة الراحل.

          وقال الرئيس الأسعد، في حينه: "إن المغفور له العلامة السيد محمد حسن فضل الله، له من مكانته الدينية والشخصية، ما يستوجب حداد جميع المؤسسات الرسمية، وليس فقط رفع الجلسة، بالإضافة إلى المشاركة في واجب تشييع جثمانة"

          وأضاف الرئيس الأسعد، أن هنالك العديد من النواب على اختلاف مذاهبهم، يودون المشاركة في هذا الواجب الإجتماعي.

          وعلى الأثر إنتقل الرئيس كامل الأسعد والرئيس صائب سلام، وبعض الوزراء، وعدد كبير من النواب، لملاقاة موكب الجنازة.

          وفي الساعة الواحدة تحرك الموكب الجنائزي المهيب، من منزل الفقيد، تحف به كلمات الوحي من قارئ القرآن، وقد حمل المشيعون الجثمان على الراحات، وكل منهم مزاحم، تدفعه الأثروة بالاجر والتبرك بالمشاركة في حمل النعش، وطافوا به في شوارع بلدة برج البراجنة، حتى وصلوا الى النادي الحسيني، ومن ثم التحمت جموع المشيعين في موكب زاخر.

          وانطلقت مسيرة التشييع صوب جادة المطار.. العلماء ورجال الدين وفي طليعتهم سماحة الإمام السيد موسى الصدر مع الشخصيات الرسمية، يتقدمون الموكب .. وأمام النعش، إنتظم طلاب المدارس في صفين طويلين، يحملون أكاليل الزهور.

  

في صالون الإستقبال الكبير في المطار وقف علماء الطائفة وآل الفقيد يتقبلون التعازي

 ويبدو دولة الرئيس كامل الأسعد ودولة الرئيس صائب سلام والدكتور نزيه البزري

وسماحة الإمام السيد موسى الصدر وسماحة المفتي الشيخ عبد الأمير قبلان


وفي مطار بغداد، كان ممثل رئيس الجمهورية العراقية في مقدمة المستقبلين، مع العلماء وعدد كبير من الشخصيات.

          ومن هناك، إنطلق الموكب الجنائزي الجديد، متابعاً رحلة النهايه، في السيارات حتى بلغ مدينة كربلاء. وإتخذ النعش طريقه محمولاً على الأكف وسط الخضم الهائل من المشيعين قدروا بأربعين ألفاً، يحف به كبار الرسميين والعلماء.

          وما أن وصل الموكب إلى النجف حتى أقفلت أسواق المدينة المقدسة، ورفعت رايات الحداد، وسار خلف النعش كبار العلماء المرجعيين، ورجال الدولة.

          ولقد قام بتأبين الراحل الكبير بعض المراجع الدينيين منوهين بمكانته في العالمين العربي والإسلامي، وتمت مراسل الدفن، في الساعة الرابعة من بعد ظهر يوم الاحد، في غرفة مجاورة لمقام أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع)، وقرئت الفواتح عنروحه الطاهرة طيلة أربعة أيام في مساجد المدينة، كما هي العادة في مناسباة وفاة العلماء الأعلام.

          وفي لبنان، أعلن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الحداد على الفقيد الكبير، واعتذر سماحة الإمام السيد موسى الصدر واعضاء المجلس عن عدم إستقبال المهنئين، بمناسبة عيد الفطر المبارك.. واستمر تقبل التعازي في النادي الحسيني في برج البراجنة على مدى سبعة أيام.

          وتكريماً للعلامة الجليل أحيت الطائفة الإسلامية الشيعية في لبنان ذكراه في مهرجانين خطابيين كبيرين (في ذكرى السابع وذكرى الأربعين). وقد التقى فيهما نخبة من رجال الفكر والقلم، على تقييم وإجلال هذه الشخصية الفذة بين العلماء الأركان!

          ويسر"العرفان" أن تساهم من جانبها في هذا التكريم، فتنشر في هذا الملحق الخاص، نصوص الكلمات والقصائد التي ألقيت في هاتين المناسبتين، متمنية للمرحوم المقدس، خلوداً في جنات النعيم، وللطائفة الشيعية وآل فضل الله جميعاً، أن يجزيهم عنه جزيل الثواب.

محمد كاظم جلول

نقلاً عن مجلة العرفان العدد الأول

 ذِكرى الاسبُوع

 

          تحولت ذكرى اليوم السابع على وفاة المغفور له العلامة السيد محمد حسن فضل الله إلى مناسبة دينية، وطنية، تجلت فيها الأخوة في الله، بين الخطباء من جميع الطوائف.

          ففي الساعة التاسعة من  صباح يوم الأحد 12تشرين الثاني1972، أقيم مهرجان خطابي كبير، في النادي الحسيني في برج البراجنة، حضره الألوف، جاؤوا من كل المناطق، ومن مختلف المذاهب و الفئات، للمشاركة في ذكرى العلامة الجليل، يتقدمهم ممثل فخامة رئيس الجمهورية، معالي وزير الصحه الدكتور نزيه البزري، وسماحة الإمام السيد موسى الصدر رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، والشيخ محمد أبو شقرا شيخ عقل الطائفة الدرزية، والوزراء والنواب، ورجال السلك الديبلوماسي ، وحشد كبير من رجال الدين العلماء والمشايخ، ورجال الإكليروس المسيحي.

          وقد افتتح الإحتفال بعشر من القرآن الكريم، تلاه القارئ السيد حسن بيضون، ثم قدم عريف الإحتفال الشاعر الأستاذ إبراهيم بري الخطباء الذين تعاقبوا على الكلام، وهم السادة:

          سماحة الإمام السيد موسى الصدر، فضيلة القاضي الشيخ طه الصابونجي (باسم سماحة مفتي الجمهورية)، النائب الأستاذ إدمون رزق( بإسم المجلس النيابي) الأستاذ نصري سلهب، الأستاذ جورج جرداق، الشاعر السيد محمد نجيب فضل الله (قصيدة) والدكتور عبد الرؤوف فضل الله (بإسم آل الفقيد).

          وتلا الشيخ محمد نجيب زهر الدين فصلاً من السيرة الخالدة، مصرع أبي الشهداء الحسين بن علي(ع)، منوهاً بتيمن الفقيد الراحل بسيرة وجهاد السلف االصالح.

  

فارسٌ لم يثقلهُ عبء الرسالة

آية الله

حجة الإسلام السيد محمد حسن فضل الله الحسني

 

          عالم يأتي في الطليعة، بين علماء جبل عامل الأعلام عاش طيلة حياته في البذل والعطاء حتى سجله التاريخ على صفحاته، مع العلماء الأبطال والمؤمنين الأخيار المجاهدين في سبيل إعلاء كلمة الدين وخير الناس لا يرجو إلا رضا الله.

بقلم فضيلة العلامة

السيد هاشم معروف الحسني

 

          لقد كلفني بعض الأخوان أن اكتب ولو لمحة عن حياة فقيدنا الكبير حجة الإسلام العلامة السيد محمد حسن فضل الله، تعطي للقارئ صورة عن تاريخ حياته منذ نشأته حتى آخرمرحلة من مراحلها فشق علي الطلب وحاولت أن أعتذر، لكنني رأيت الواجب يشدني ويدفعني بقوة لأن أكتب ولو كلمة قصيرة عن عالم يأتي في الطليعة بين علماء هذا الجبل، موطن العلماء والأدباء والمفكرين منذ مئات السنين، تقديراً لفضله ووفاء لهذا النوع الخير الكريم من علمائنا الأبرار الذين سيحدث فقدهم فراغاً لن يسد، في ضوء ما نراه من واقعنا المرير، إلا أن يشاء الله.

ولكني وقفت كثيراً عندما أخذت القلم لأكتب، ورأيت بين يدي مجموعة من الأفكار قد احتشدت حول حياته الخيرة، التي بذلت الكثير الكثير، واستمرت سخية في البذل والعطاء طيلة ثمانين عاماً أو تزيد، وحتى الأيام الأخيرة، وهو يصارع الموت ببطولة فائقة وشجاعة قل نظيرها في تاريخ الأبطال والمؤمنين العاملين.

          أتراني أبلغ في لمحات قصيرة عن راحلنا العظيم شيئاً مما يريدة القارئ، وأضع بين يديه ولو صورة ضيقة محدودة، عن أبعاد حياته ومرحلة جهاده في سبيل الله وخير الناس؟

          إن ذلك سهل ويسير لو أني أتحدث عن غيرك أيها الراحل الكبير، من ذوي الجاه والمجد العريض من أبناء هذه الدنيا، أو عن غيرك ممن يتقمصون ثوبك ليتاجروا به مع المنحرفين والمشعوذين.

          ولكني أريد أن أتحدث عن بطل من أبطال العلم، وفارس من فرسانه، وهب حياته لله وللناس، ولم يثقله عبء الرسالة الذي ألقي عليه في هذه الدنيا المقبلة على الباطل، لا يريد إلا وجه الله ولا يرجو إلا ثوابه.

          أتحدث عن رجل كان يأتيه القريب والبعيد ، والكبير والصغير مالكاً لأمره، مسيطراً على نفسه، فإذا إستقر به المقام عنده، لم يتمالك إلا أن يضع قياده بين يديه، فإذا هو إخلاصه وإيمانه يملك زمام أمره ويدخل إلى قرارة نفسه، يسيطر عليه، وهو مع ذلك لا يخشاه ولا يشعر بالضعف والهوان بين يديه، لأنه بعيد عن الكيد والمكر والدجل والتضليل!

          ثمانون عاماً أو تزيد، كان فيها فقيدنا سديد الرأي، راجح العقل، زكي النفس، سخي اليد، لا يخدع عن الصواب، هياباً للحق جريئاً فيه... ومن الصعب جداً أن يتحمل كاتب عبء الحيث عنه في صفحات معدودات، لأنه يشعر حين يتابع مراحل حياته، أنه سيتحدث عن جيل ينبض بألوان من الحياة متدفقة من جميع جوانبها ونواحيها.

          ولكن ماذا أصنع وأرى الحديث عنه ولو بهذا المقدار مفروضاً علي، تلبية لنداء الواجب، وعملاً بالحكمة القائلة "ما لا يدرك كله لا يترك جله". ولا بد لي أن أتجاوز الحديث عن شخصيته، بعد هذه اللمحة العابرة، إلى الحديث عن نشأته و دراسته في عامل والنجف الأشرف، وعن المراحل التي مرّ بها بعد رجوعه إلى بلاده، قبل أربعين عاماً تقريباً.

          ولد السيد محمد حسن فضل الله، تغمده الله برحمته، قبل ثمانين عاماً، حيث تسكن أسرته العريقة في بلدة عيناثا، من أبوين كريمين، تربط بينهما أواصر ليست من نوع العرق والدم، بل من نوع آخر من أوثق من ذلك، تلك هي رابطة العلم والدين.

          فأبوه السيد علي بن السيد هادي فضل الله، من عائلة لها شرف الإنتساب إلى الإمام الحسن (ع)، سبط الرسول الأعظم (ص)، وهي في الوقت ذاته، لم تخل في عصر من العصور، من أعلام لهم في دنيا الإسلام ذكر محمود، وفضل يشهد به القريب، والبعيد، وآثار في مختلف المجالات الإسلامية.

          وأمه كريمة العالم الشيخ مهدي شمس الدين، من عائلة غلبت عليها الصبغة الدينية، وأنجبت عشرات العلماء  في مراحل تاريخها الطويل، وفازت مع ذلك، بشرف الإنتساب إلى شيخ الطائفة في القرن الهجري، محمد بن مكي، المعروف بالشهيد الأول، الذي حبس ثم قتل في دمشق، بفتوى شيوخ السوء، لا لسبب غير التشيع لعلي (ع) وأبنائه الكرام. وهو صاحب المؤلفات الضخمة الغنية بالكنوز في مختلف المواضيع، والتي كانت ولا تزال وستبقى من أوثق المراجع العلمية في الفقه وأصوله وغيرهما من المواضيع الإسلامية.

          من هذين البيتين خرج فقيدنا العظيم ونشأ.. وفي ظل الأبوين، كانت تحوطه العناية والرعاية والتربية الصالحة، التي صاغته على خير مثال يصاغ عليه الناشئ الموهوب، والتي تؤهله لحياة كريمة ينعم بها هو وغيره من الناس. وكان لذلك أثره البالغ في نشأته العلمية، بعد أن شب وإتجه لدراسة العلم الديني في مدرسة عيناثا على المرحوم السيد نجيب فضل الله، وفي مجدل سلم على جده المرحوم الشيخ مهدي شمس الدين، وفي جويا على عمه المرحوم السيد مصطفى نور الدين.

          وظل يسطع نجمه ويتسع إشراقه كلما توسع في دراسته، وبخاصة عندما هاجر إلى العراق في الربع الأول من القرن العشرين، حيث أقام في جامعة النجف الكبرى، نحواً من خمسة عشر عاماً، درس فيها على الأقطاب من علمائه، كالشيخ أحمد كاشف الغطاء، والشيخ كاظم الشيرازي، والميرزا حسين النائيني، والسيد أبو الحسن الأصفهاني، وغيرهم من أعلام الدين وأئمة الفقه.

          وكان مجداً في دراسته، موهوباً في تفكيره وسليقته، لم يقتصر على تلقي الدروس من أساتذته وتدريس غيره، بل استفاد من ملابسات الحياة العامة، وإنتفع بالأحداث والحوادث المختلفة التي كانت تفرضها ظروف عصره ومشاكل حياته، فكان يضع لكل ما شاهده و مرّ عليه حساباً، و ينظر اليه بعين  الإعتبار، ليستفيد منه في مستقبل حياته عندما يمارس حياته كرجل من أصحاب الرسالات.

          وحينما كمل نضجه ولمع نجمه، واستوى حظه من الثقافة الإسلامية وأصبح من ذوي الملكات القوية، رجع إلى بلاده وهو في حدود الاربعين من عمره مزوداً بالشهادات التي تنص على إجتهاده المطلق، من أساتذته أقطاب العلم كالخرساني وكاشف الغطاء والنائيني والأصفهاني.

          وإبتدأ في "عاملة " حياة جديدة تتسم بالشدة في الدين، والقوة بالحق، و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواضع للعلماء وأهل الدين، والعطف على الفقراء و المحرومين. وكان مع ذلك واسع الصدر لين الطبع، له روعة ومهابة يدفعان القريب والبعيد على إحترامه. لا يمنعه حبه لمن يحب من إقامة العدل، ولا بغضه لأحد من إنصافه.

          وظل طيلة حياته مرجعاً كبيراً من مراجع الدين وفياً لرسالته حريصاً على أدائها، لا تأخذه في الحق لومة لائم إلى أن وافته منيته في صباح يوم الجمعة في السادس والعشرين من شهر رمضان المبارك من عام1392هجرية الموافق 3تشرين الثاني من عام 1972ميلادية. فأحس الناس بصدمة لنبأ وفاته، وهرع الكثير من أبناء الطائفة وغيرهم لتشييع جنازته، من منزله في برج البراجنة إلى الطائرة لينقل إلى مثواه الأخير في جوار أبي الحسن الإمام علي (ع) في النجف الأشرف، بناء على وصيته.

          وفي العراق إشتركت في تشييع الجثمان الطاهر حشود كبيرة من الشخصيات الرسمية والعلماء والمواطنين من جميع الفئات في كربلاء والنجف الأشرف، كما تشيع القادة من أعلام الأمة و مراجعها، حيث دفن في غرفة مجاورة للمقام الشريف.

          فبورك لك يا أبا علي في بيتك الجديد مع السلف الصالح  من أعلام الأمة ومراجعها، ونم قرير العين مطمئن النفس في جوار أمير المؤمنين، حتى تلقى ربك فيوفيك أجر ما قدمته من أعمالك الصالحات وجزاء ما بذلت من نفسك وضحيت من راحتك، والسلام عليك وعلى سلفك الصالح من علمائنا الأبرار، الذين جاهدوا كما جاهدت ونصحوا الله ورسوله كما نصحت ، ورحمة الله و بركاته.

هاشم معروف الحسني

نقلا عن مجلة العرفان العدد الأول

15ك الثاني 1973-المجلد 7

 

محطات من حياة المرحوم المقدس السيد محمد حسن فضل الله، نذكر منها:

1-           أول صلاة جمعة للمسلمين الشيعة في بيروت نقلت عبر الإذاعة اللبنانية الرسمية كانت بإمامته، و ذلك حوالي 1969م.

2-           طرحت فكرة إنشاء مجلس إسلامي موحد بين المسلمين السنة و الشيعة في لبنان. وكان الطرف السني المفاوض آنذاك، الرئيس صائب سلام، رئيس مجلس الوزراء، والطرف الشيعي كان المرحوم المقدس السيد محمد حسن فضل الله. وجرت بينهما مداولات و مراسلات كثيرة، والرسائل الموثقة لا تزال موجودة. وبعد عدة اجتماعات لعلماء الطائفة الشيعية وسياسييها في منزل السيد محمد حسن فضل الله تقرّر إنشاء المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان.

3-            بعد استقرار المرحوم المقدس السيد عبد الحسين شرف الدين في مدينة صور وبعد نمو تأثيره في المنطقة. بدأت المضايقات من قبل عملاء الإستعمار الفرنسي و بعض السياسيين النافذين آنذاك تتفاقم، حتى وصلت إلى حد لا يطاق، عندها قرّر السيد الرحيل عن صور، ولما علم بذلك المرحوم السيد محمد حسن فضل الله، و كانت تربطهما علاقات وثيقة قرّر السيد محمد حسن التدخل لحشد التأييد للسيد عبد الحسين، فانتقل الى بلدة جويا، و منها ارسل الى كل علماء جبل عامل لموافاته الى منزل شرف الدين في صور في وعد معين لتعزيز مركزه.

  وهناك طلب العلماء من السيد شرف الدين البقاء في صور، مما أدّى إلى تعزيز موقعه حيث نزل إلى رغبتهم، وأدّى أيضاً إلى إلتفاف الناس حوله بقوة.

4-           تمّ طبع مخطوطين للمرحوم المقدس السيد محمد حسن فضل الله أحدهما في الأخلاق وهو كتاب روض الصالحين، والثاني في علم الأصول وهو كتاب مباحث الحجة والأصول العلمية يعرض فيها أبواب الفقه وآراءه الشخصية فيها.كما يتم الآن تحقيق كتاب مخطوط له في جميع أبواب أصول الفقه يقع في ستة أجزاء.

  وهناك محطات كثيرة يضيق المجال عن ذكرها.

 

السيد محمد حسن فضل الله(*)

ترجمه العلاّمة الطهراني في كتابه " نقباء البشر في القرن الرابع عشر" بقوله:

          هو السيد محمد حسن بن السيد علي بن السيد هادي بن فخر الدين بن علي بن يوسف الثاني بن يوسف الأول بن محمد بن فضل الله الحسني العيناتي العاملي، عالم جليل.

          ولد في عيناثا في سنة (1310) ونشأ بها، فأخذ مقدمات العلوم عن بعض فضلائها و في سنة 1338 هاجر إلى النجف فحضر أبحاث علمائها كالميرزا محمد حسين النائيني والشيخ ضياء الدين العراقي والشيخ أحمد آل كاشف الغطاء والسيد أبي الحسن الاصفهاني والشيخ محمد كاظم الشيرازي وغيرهم، وكتب من تقريراتهم دورتين في الأصول وبعض الفقه، وأجيز من النائيني وكاشف الغطاء والأصفهاني والشيخ محمد رضا آل يس ورجع إلى بلاده سنة 1351 فنزل قرية من ضواحي بيروت يقال لها برج البراجنة فقام فيها بالوظائف الشرعية ونشر الأحكام، إنتهى.

وترجمه صاحب كتاب "شعراء الغري" بقوله:

          هو أبو علي محمد حسن بن علي بن هادي بن فخر الدين بن علي بن يوسف بن محمد بن فضل الله الحسني عالم جليل وأديب معروف ولد في قرية عيناثا من قرى جبل عامل عام 1310 وقبل العاشرة تاقت نفسه إلى تلقي العلوم الأدبية فقرأ النحو والصرف على الشيخ موسى مغنية والمنطق والبيان ومعالم الأصول والشرائع على السيد نجيب فضل الله والقوانين على السيد عبد الرسول آل إبراهيم والرياض والرسائل على السيد مصطفى نور الدين وتلقى على جده لأمه الشيخ مهدي شمس الدين علم النفس والتفسير والحديث مع كثير من أبواب الفقه و بعد أن نهل من غير هؤلاء الأعلام المشاهير هاجر إلى النجف عام 1338 فأخذ يختلف على حلقات المشاهير كالحجة السيد حسين الحمامي والشيخ كاظم الشيرازي ثم إختلف في الدرس الخارجي على الإمام النائيني والشيخ كاشف الغطاء في الفقه وآغا ضياء الدين العراقي في الأصول، وقد أجازه الجميع بعد أن طلب منه رجال بلده الرجوع إليهم و تمثيل الدين عندهم.

          والمترجم له شخصية دينية فذّة نزع إلى الحجة في القول والإخلاص في العمل وقد قام بسيرة مثلى فأثر في مجتمعه الذي نزح إليه عام 1351هـ ولمّا أن عرف بالإرشاد الصحيح والسريرة الصافية، طلب منه رجال بيروت أن يحل بين ظهرانيهم ليقوم بما يجب أن يقوم به الزعيم الديني فلبى وهو اليوم مرموقاً لدى الكبير والصغير(كانت هذه الترجمة من المؤلف يوم كان السيد على قيد الحياة).

  

(1)             نقلاً عن كتاب علماء ثغور الإسلام للسيد عباس الموسوي.

 

      وأكمل الخاقاني صاحب كتاب شعراء الغري:وله - للسيد - كتب في الفقه والأصول والعقائد والرد على الماديين ، وأنا السيد عباس الموسوي لم أجد في دور النشر والمكتبات شيئاً منها، إن كان عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود.

     وهو بالإضافة إلى علمه الجم، أديب من الطراز الفاخر، واسع الخيال، معتدل الذوق، زاول القريض منذ صباه، ولمقامه الديني حفل به جمع من الأدباء ومدحوه عن توطّنه بيروت- برج البراجنة - فأقاموا له مهرجاناً خالداً وممن شارك به حسن أفندي شرارة بقصيدة مطلعها:

ما للغني يتيه في خيلائه

                      ويطل مفتخراً بعظم ثرائه

     ومنهم المرحوم السيد محمد أمين فضل الله بأخرى مطلعها:

نتيجة رأى أعقمت وذنوب

                  ونشوة مشغوف عزت وخطوب

                    وكان قد وقع عن الفرس ساعة الإستقبال وفيها يصف حاله.

وثالثة للمرحوم الشيخ علي مهدي شمس الدين مطلعها:

ما العز بالمال مذخور وبالولد

                      فالمال منتقل حتماً يداً ليد

          ومنهم السيد محمد حسين فضل الله برابعة مطلعها:

أضاء النجم وازدان الكلام

                        بمدحك أيها الحبر الهمام

          وخامسة للسيد عبد الحسين فضل الله :

كشف الجهل عن الشرق وزالا

                       فتفيأ في ذرى العلم ظلالا

نماذج من شعره:

          نظم المترجم له الكثير من الشعر وفي مواضيع مختلفة وقد تستطيع أن تقف على نفسه ونفسيته ومنه قوله:

إذا جارت الأيام يوماً على امرئٍ

                        وبات لها حرب يكون لها الغلب

فكن رجلاً إن حاربتك مسالماً

                        لها وتصبر إن ألم بك الكرب

فما عذبت فيها الموارد لامرئ

                        بأيامه إلا وقد حنظل العذب

فصبراً على حلو الليالي ومرها

                    وإن كان حمل الصبر مركبه صعب

أبت لي أخلاقي وطيب أرومتي

                    وصارم عزم لا يكل ولا ينبو

بأن أغتدي والذل منها يقودني

                   اليها وتصبيني ومثلي لا يصبو

          ومن قوله:

وما زلت للأشجان خلاً وصاحباً

                      ولا زال جيش الهم خلي وصاحبي

ولا نلت من دهري سروراً ولذه

                      ولكنني جرعت من النوائب

تعاندني الأيام ظلماً وقسوة

                      علي وتسقيني سموم العقارب

          وقوله:

سرى القلب يفري البيد يبغي أحبة

                    لهم في محاني أضلعي موطن رحب

فآه لأيام تقضت بقربهم

                    ومجلسنا زاه ومنهلنا عذب

لأن حجبوا عني فقد أصبح الهوى

                   يمثلهم عندي كأن لم تكن حجب

فكم لي من شكوى اليهم بعثتها

                  وعتب فلم تجد الشكايا والعتب

          وله من قصيدة قوله:

أبى الله الا أن أكون معذباً

                   صريع هموم دائم الحسرات

أقضي نهاري بالتلهف والأسى

                   وأسقي الثرى من صيب العبرات

إذا جن ليلي بت فيه مسهداً

                  (وأجريت دمع العين بالوجنات)

ولولا مقامي كنت أول هائم

                    على وجهه يا ليل بالفلوات

وقد ضقت ذرعاً بالحياة وانني

                    مللت ورب الراقصات حياتي

          ويتخلص فيها إلى مدح آل البيت بقوله:

فيا آل طه انني بولائكم

                      تمسكت أرجو الأمن يوم وفاتي

بكم نهتدي يا آل طه فأنتم

                      بدور لأهل الأرض في الظلمات

فأنتم رجائي آل طه وأنتم

                      مناجيد للعافين في الأزمات

فيا سادتي مالي سواكم من الورى

                      فأنتم بحور الخير والبركات

متى ينجلي ليل الجحود عن الورى

                      ويقفر ربع الكفر والشبهات

متى ينجد الدين الحنيف فإنه

                       لقد عاد منبوذاً ورهن شتات

          ومن مراسلاته قوله:

أنت نفسي بل أعز من النفس

                            وروحي التي بها نلت روحي

يا مريعي بأسهم البعد ظلماً

                           بي ارفق فقد نكأت جروحي

كيف أسلوك يا خليط فؤادي

                          وغبوق تذكاركم وصبوحي

          ومن مراسلاته قوله:

أما والهوى اني على القرب والنوى

                     احن وتغشى زفرتي (بثن)ما عندي

ولو عابكم ما زلت منذ عرفتكم

                  فيا ليت شعري هل ولوعي بكم يجدي

          وقوله:

أحن اليكم والدموع شهود

                     وفي القلب من فرط الغرام وقود

فعيني لا تنفك ترسل دمعها

                     فليس له بعد البعاد نفود

ونفسي لم تألف سواكم وانني

                     لفي حبكم أسخى بها وأجود

فعيشي بكم رغد ودهري بكم هناً

                     ويوم التلاقي للمتيم عيد

وقوله:

أأخشى الزمان وجور الزمان

                             وسر الوجود لنا كافل

فإني نزيل لحامي الحمى

                            أيرهب من بالحمى نازل

أمنت وفزت بمرضاته

                           إلى مثله يرحل الراحل

 

ومن مراسلاته قوله:

أأحبابنا إني وإن شط ربعكم

                        وحالت فيافي بيننا وطلول

لذو حسرة تزداد ما دامت النوى

                       على أنني للنائبات حمول

فها أنا استاف الرياح لعلني

                       أداوي بها ما بالفؤاد دخيل

 

ومن مراسلاته قوله:

إليك أبا النجيب أبث شوقي

                            وأهديك السلام مع النسيم

سلام من فتيت المسك أسنى

                           على تلك المعاهد والرسوم

أحن حنين والهة إليكم

                           فليلي بعدكم ليل السليم

 

وله في بعض المناسبات من قصيدة:

سفرت فيا بدر السماء تكتم

                        ورنت فيا ماضي الغرار تكهم

بيضاء يرشح بالحياة جبينها

                       فانظر به كيف الدرار ترتمي

فكان وجنتها صحيفة باسل

                      حمراء يوم الروع تقطر بالدم

قبضت على وجناتها بأنامل

                     ما أحسن الدينار لُزًّ بدرهم

ضدان في وجناتها وجعودها

                     صبح أغر وجنح ليل أظلم

تشدو بنغمة ساجع وكأنها

                    ترمي حمامات القلوب بقشعم

ترنو بفاتر لحظها وكأنما

                   عمدت لعاشقها بفاتك مخذم

هيفاء قد لعب الدلال بقدها

                    لعب الكمي لدى النزال بلهذم

ما كان أعجب بالغرام قوامها

                    يرمي الأنام بأعزل مستلئم

كم ليلة وصلت بأيمن زورة

                   فيها وقد هجعت عيون النوّم

          ومنها يقول:

شهم تسنم للمكارم صعبة

                       داست صماخ النيرين بمنسم

ذو فكرة بالغيب وكلها الذكا

                      فمكتم الأشياء غير مكتم

مهما دجى ليل المشاكل أشرقت

                      شمساً تمزق ثوب ليل مظلم

هو في الحجى كيلملم وكلامه

                      كالسيل يقذف من صماخ يلملم

 

          وله مهنياً بعض الأعلام عند رجوعه إلى النجف قوله:

بشراك في عقباك يا إسلام

                     آب الزعيم وراقت الأيام

لا تخشى خاطفة الذئاب فقد أتى

                     يحمي عرينك ذلك الضرغام

هو للهدى مسبار كل جراحة

                   وعلى رؤوس المشركين حسام

بطل به الإسلام يزحف سطوة

                   ويعد جيش الشرك منه صدام

واستله الدين الحنيف مهنداً

                   ماضي المضارب ما إعتراه كهام

وعليه أمسى المجد يعقد تاجه

                   ويروق فيه من العلاء نظام

بالعدل يحكم بالأنام وإنما

                   ظفرت بمحاكم عدلها الأحكام

يا أيها الندب المحلق سمكه

                   لك فوق هامات النجوم مقام

 

          وله في الوعظ والإرشاد قوله:

تزود ما استطعت لدار خلد

                             فخير الزاد زاد المتقينا

ولا يغررك في الدنيا ثراء

                            هناك ترى أجور العاملينا

تصبر يا هداك الله إنا

                            نسير على طريق السابقينا

فإن الموت غاية كل حي

                          وبطن الأرض مثوى العالمينا

ألم تعلم بأن اللاء كانوا

                           ملوكاً في القرون الغابرينا

أضاعو العمر في لهو وظلم

                          وحادوا عن طريق المتقينا

ولم يجدوا لدفع الموت عنهم

                        سبيلاً فاستكانوا صاغرينا

نعيم الخلد لا يفني فسارع

                        لأعمال العباد الصالحينا

مؤلفاته:

لم يترك السيد محمد حسن أثراً مطبوعاً ولكن هناك مخطوطات وجدها ولده السيد علي وقد رأيتها بأم العين وقد أعطاها ولده عناوين فكانت:

1-                مختصر في مباحث الإمارات والأصول.

2-                الأخلاق الفاضلة.

3-                مباحث في علم الأصول (ج1- ج2).

وهي كتب قيمة فيها تحقيقات السيد وآراءه حبذا لو تخرج إلى عالم النور ليستفيد منها طلاب العلم وأربابه.

وفاته:

توفي السيد محمد حسن يوم الجمعة في السادس والعشرين من شهر رمضان المبارك سنة 1362هـ الموافق 3 تشرين الثاني سنة 1972م وقد شيع جثمانه من منزله في برج البراجنة إلى مطار بيروت حيث نقل بالطائرة إلى النجف الأشرف، وفي العراق اشتركت في تشييعه جميع الطبقات. ودفن في غرفة مجاورة للمقام الشريف - عند الإمام علي (ع) - وأقيمت له الفواتح هناك من قبل المراجع والطلبة اللبنانيين.

مراسلاته وشعره:

          كما كان السيد محمد حسن فضل الله متبحراً في العلوم الدينية والفلسفية، كان كذلك مهتماً بشؤون قومه، الحياتية والإجتماعية، وذلك بجمع كلمة المسلمين والمحافظة عليهم، لا يرضى لأحد منهم بالدنية، ولا يقبل أن يساموا بالضيم، ولا يرضى عن الإختلافات المذهبية والعنعنات الحزبية، والتعصبات الطائفية معتبراً كل من قال "لا إله إلا الله ، محمد رسول الله" معترفاً بالمعاد فهو مسلم حرم ماله ودمه وعرضه وأن المسلم أخو المسلم أحب ذلك ام كره.

          كما كان طيلة حياته حتى آخر أيامه مهتماً بجمع كلمة المسلمين لا تأخذه في الله لومة لائم. فكان له مواقف جليلة في هذا السبيل ينظر اليها بعين الإعجاب والتقدير.

          نذكر ماجرى في شأن التوحيد بين المسلمين - السنّة والشيعة في لبنان ضمن محادثات كانت مع  بعض زعماء السنّة البارزين في بيروت وذلك عندما قرر علما ء الشيعة عند اجتماعهم في منزله إنشاء المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى فكانت هناك محادثات نختصر منها على سبيل المثل والشاهد رئيس الوزراء في وقته: صائب بك سلام إلى سماحته وجواب سماحته له:

          صاحب السماحة العلاّمة الجليل السيد محمد حسن فضل الله بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

          إن ما أعهده في سماحتكم من غيرة دينية وشعور نحو القضايا الإسلامية كبيرها وصغيرها، وما عرفته في شخصكم عن كثب من تتحلون بها، من دين صحيح، و خلق قويم، و عزم دائب، لخدمة الإسلام والمسلمين مضافاً الى هذا كله ما علمته منذ أيام عن الإجتماع الذي عقده علماء الشيعة الأجلاء برئاستكم، من أجل إنشاء مجلس شرعي إسلامي شيعي؛ ووضع قانون له على غرار المرسوم 18 الذي وضع في الماضي لإنشاء مجلس شرعي إسلامي سني.

          و عطفاً على الأحاديث العديدة التي كانت مع سماحتكم ومع العديد الكبير من أصدقائي من علماء الشيعة، الذين أكن لهم اصفى مودة أحتفظ لهم بكامل الاحترام و التقدير.

          و لما كان موضوع إنشاء المجلس الشرعي الإسلامي الشيعي الأعلى قد إقترح من قبل علماء الشيعة الأجلاء توخياً لأهداف سامية إسلامية، في نفس الوقت و الزمان الذي توالت فيه إجتماعات للسنة فإنعقد فيها الإجتماع الخير وقررت فيها تعديل المرسوم 18 بما يحقق مصلحة المسلمين العليا.

          فقد رأيت أن أغتنم هذه الفرصة السانحة، فأتوجه الى سماحتكم، وأخوانكم العلماء الأجلاء، وقلبي مفعم بالإيمان أنني سألقى عندكم ما لقيته من تجاوب صادق في أحاديثنا السابقة بنفس النداء الذي توجهت به إلى إخواني من اهل السنة في إجتماعهم التاريخي المنعقد أمس بدار الفتوى.

ويسرني أن أبادر فأعلم سماحتكم أن هذا النداء الإسلامي الذي صدر في أعماق الضمير وعلى ضوء الخبرة والتفكير قد لاقى في اجتماع الأمس آذاناً مصغية، وقلوباً واعية، فكان له تأييد اجتماعي معزز بقلوب عامرة بالإيمان عند المجتمعين.

          و ما ندائي كما تعلمون، والفرصة قد عرضت، والمناسبة مؤاتية فهو تحديد ما طالبت به سماحتكم من قبل، كما طالبت به كل مسلم يغار على المسلمين ومصلحة المسلمين العليا: بأن يتوحد الجهد فلا يتفرق ويتضامن العاملون المخلصون، فلا يتباعدوا، ونسير على هدى رسالة الإسلام، رسالة التوحيد لنصل برعاية أهل الفضل والفضيلة من أمثالكم إلى تلبية رغبات عامة المسلمين، وخاصة الناشئة العليا في هذا الوطن الذي نعيش تحت سمائه، فيكون المسلمون - الذين يؤلفون نصف كيانه وإمكاناته- متضامنين متحدين مكفولة مصالحهم موقورة كرامتهم. فالناشئة الإسلامية في هذا العصر، ومعهم كل مسلم واع يحرص على إسلامه، لم تعد تفهم يا سماحة السيد الجليل للتفرقة من معنى بين أهل المذاهب عند المسلمين.

          وإذا كان من خلاف في المذاهب فهو، في نظر الناشئة الإسلامية، والواعين من المسلمين، ليس بين الشيعة والسنّة فقط بل هو بين سائر المذاهب الإسلامية من شافعية وحنفية ومالكية وحنبلية وهذا في نظرهم يجب أن ينحصر في النطاق الفقهي فلا يتعداه إلى جمهور المسلمين فيصبح سبباً لتقسيمه سياسياً وإجتماعياً.

          بل إن النشأة الإسلامية الحديثة والواعين من المسلمين يرون في بعض هذه الخلافات الخير كل الخير، إذ يجدون فيها سبباً لتنافس العلماء الأجلاء في تَفَهُّم معاني الشرع الشريف لما يتولد من إحتكاكات الأفكار وتبادل الأراء .

          إن الناشئة الإجتماعية الحديثة وخصوصاً في هذا البلد الذي نعيش فيه لم تعد ترى سبباً أن يكون المذهب سبباً في تفرقة المسلمين بل إنها تصر ملحة على ان المسلم أياً كان مذهبه، وتأبى ان ترى فرقاً بين سني وشيعي.

          تجاه هذا كله أصبح على قادة الرأي في كافة الميادين وعلى السادة العلماء بصورة خاصة، واجب ديني و مقتضى دنيوي بأن يعالجواهذا بحكمة وروية وهمّة ونشاط فالزمن يمضي مسرعاً ولم يبق من مجال للتباطؤ أو عذر للتخلف.

          هذا ما يجول بخاطري ويعتلج اعماق ضميري منذ زمن بعيد كما تعلمون وهذا ما افضيت لكم به مراراً يشجعني على مكاشفتكم به اليوم ما أعرفه من تجاوب عندكم أكيد كما يؤملني بإمكان معالجته معالجة فعاله تصل به إلى غاياته السامية، ظرف جميل عرض لنا وربما أراده المولى قصداً ليدفعنا إلى إغتنامه.

          وأنا أعلم كما تعلمون أيها السيد الجليل ان هناك مصاعب جمة وأن هناك عقبات كأداء في سبيل تحقيق ما نصبو وتصبون اليه ولكن أصحاب الإيمان لم يتخلوا يوماً عن واجب ولم يتقاعسوا عن تضحية عندما يكون الهدف هدفاً سامياً وتكون مصلحة المسلمين العليا هي المطلب والغاية وأؤكد لكم أنني مستعد دائما لأضع جميع ما أملك من إمكانات ومن جهد ومن خبرة في هذا السبيل مستلهماً آية الكتاب الكريم التي تهيب بالمسلمين ( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ).

          وفقنا الله واياكم لما فيه خير المسلمين وسدد الله خطاكم وخطانا في الطريق المستقيم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

صائب سلام

بيروت في 4 شعبان 1386

17/11/1966

 

          وقد أجابه السيد محمد حسن فضل الله بكتاب هذا نصه:

          بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد:

          السلام على دولة الرئيس صائب بك سلام ورحمة الله وبركاته. تلوت كتابكم الكريم بإمعان وإهتمام وما زادني شيئاً عما أعهده فيكم من الغيرة على الإسلام والمسلمين وحب الخير للناس أجمعين.

          وقد أطلعت العديد من السادة العلماء على كتابكم فارتاحوا له إذ وجدوه معبراً عن رغبة عامة لديهم، قديمة ومستمرة، في العمل يداً واحدة لما فيه خير المسلمين جميعاً. وإن كان هناك ما يشعر بالإنفراد والإستقلال فهو ولا شك نتاج ظروف خارجة عن إرادتنا وإرادتكم ونسأل الله سبحانة أن تكون قد إنقضت إلى الأبد.

          وأحسب أنكم تعرفون حق المعرفة، أن التجارب المريرة التي مررنا بها عند تأمين العدالة والمساواة في الحقوق والمناصب هي التي سببت هذا الوضع الذي نقاسي منه نحن وانتم.

          والأن بعد أن قرر علماء الطائفة الشيعية ما أعلنوه وقرأتموه، يتوقف هذا العمل المجدي على أن يرجع إخواننا السنّة عن ما كانوا قد إستقلوا به من قبل و يرجع علماء الشيعة عما قرروه أخيراً تمهيداً للإشتراك معاً على أساس العدالة والمساواة. وفي تقديري أن لو تم ذلك لحققنا النصر على أوسع نطاق وفي كل مجال.

          أما إذا تمسكت الطائفة السنية الكريمة بموقفها السابق فستضطر الطائفة الشيعية بدوها الى التمسك بقرار العلماء الأخير.

          هذه هي الحقيقة، رسمناها لكم بصدق وإخلاص لتسيروا على ضوئها. ونحن معكم ومع كل مخلص، وقد توخينا الإيجاز لأنكم غير بعيدين عنها ولا هي بجديد علكيم كما يدل كتابكم الصريح المخلص.

          وهو سبحانه المسؤول أن يوفقنا جميعاً لخدمة الإسلام والمسلمين، والله يحفظكم.

محمد حسن فضل الله

برج البراجنة في 10

شعبان المبارك1386

 

          كنت أود، أن أثبت جميع ما كان للمرحوم المقدس السيد محمد حسن فضل الله، من مؤلفات، سواء أكان في حقل الفقه والأصل، أو في حقلي الوعظ والإرشاد ومكارم الأخلاق، أو في حقلي الأدب والشعر وغير ذلك.

          ولكن يا للأسف أنه بعد وفاته رحمه الله بأيام قلائل، ذهبنا إلى منزله الكائن في منطقة برج البراجنة، التي كان قد اتخذها سكناً ومقراً له، نزولا على رغبة من أهلها المؤمنين ومن سكان بيروت وضواحيها.

          وعندما بحثنا في مكتبة السيد محمد حسن فضل الله عن مخلفاته، وجدنا أن يداً أثيمة إمتدت إلى تلك المكتبة وعبثت بمحتوياتها، ففقد الكثير من الكتب القيمة، ومن المخطوطات النفيسة ، وما كان دونه من مواقف وحوادث وأشعار.

          وعلى كل حال، عند اندلاع الحرب الأهلية في بيروت سنة 1975-1976 خشي ولده العلامة السيد علي فضل الله على مكتبة والده ان يصبها شيء من نار الحرب، فنقلها إلى منزله الصيفي في بلدة كيفون قضاء عاليه.

          وبعد هذا سنة 1983، امتدت الحرب إلى الجبل فكان لكيفون نصيبها الأوفر من الخراب والدمار، وطالت القذائف منزل السيد علي فضل الله، فأتت على البناء والمحتويات، واحترقت مكتبته مع مكتبة والده، التي كان ينقلها من مكان إلى مكان للحفاظ عليها، لكن ويلات الحرب لم يسلم أحد منها حتى الكتب.

          وقد عثرنا أخيراً على بعض من مؤلفاته في علم الأصول والفقه، وفي مكارم الأخلاق. وأما النثر فلم نعثر على شيء منه... نعم هناك بعض المقطوعات الشعرية والنثرية التي سمعت منه وعن لسانه رحمه الله ونحن إذ نذكر في هذا المجال من باب "ما لا يدرك كله ، لا يترك"، فمن قوله في الوعظ والإرشاد:

تزود ما استطعت لدار خلد

                             فخير الزاد زاد المتقينا

ولا يغررك في الدنيا ثراء

                            هناك ترى أجور العاملينا

تصبر يا هداك الله انا

                            نسير على طريق السابقينا

فإن الموت غاية كل حي

                          وبطن الأرض مثوى العالمينا

ألم تعلم بأن اللاء كانوا

                           ملوكاً في القرون الغابرينا

أضاعو العمر في لهو وظلم

                          وحادوا عن طريق المتقينا

ولم يجدوا لدفع الموت عنهم

                        سبيلاً فاستكانوا صاغرينا

نعيم الخلد لا يفني فسارع

                        لأعمال العباد الصالحينا

          ومن المراسلات ما كان بينه وبين خاله الشاعر الكبير الشهيد الشيخ علي شمس الدين حيث كان السيد المذكور في أيام شبابه في النجف الأشرف لطلب العلم الشريف فقد أرسل لخاله قصيدة من هذه الأبيات وذلك حوالي سنة 1923ميلادية:

اليك أبا النجيب أبث شوقي

                           وأهديك السلام مع النسيم

سلام من فتيت المسك أسنى

                          على تلك المعاهد والرسوم

أحن حنين والهة اليكم

                           فليلي بعدكم ليل السليم

          اجابه خاله الشيخ علي شمس الدين بهذه الأبيات وهي من غرر الشعر:

نفحات الغري أحيت فؤادي

                             بعد ما جان بالجفون رقادي

نفحات مسكيَّة العرف وافت

                            من حبيب عليه جل أعتمادي

من عزيز عليّ حلو هواه

                           مولع بالصدود مُرَّ البعاد

من مضيعي وسائمي منه خسفاً

                           وهو في مقلتي مكان السواد

من قصير الأنساب في حلبة

                          الفخر حليف الهدى طويل النجاد

من همام عبل الذراع أشم الأ

                       نف عالي الذرى رفيع العماد

من سليل الأكارم السعيد فرع

                       قام عن دوحة النبي الهادي

من إمام مسلسل عن إمام

                      وجواد مسلسل عن جواد

وإذا قام في المفاخر ناد

                      فهم السابقون في كل نادي

أتقياء أئمة حكماء

                      شفعاء الورى بيوم المعاد

ورثوا كل سؤدد وفخار

                      في البرايا عن أكرم الأجداد

إن أنل منه بعض ما كنت أرجو

                     من وفاء فكم له من أياد

          وبعد ذهاب السيد محمد حسن فضل الله إلى النجف حوالي سنة 1919ميلادية لطلب العلم الديني دعي إلى حضور احتفال في الكاظمية بمناسبة ولادة الحجة القائم محمد بن الحسن عجل الله فرجه، وقد كان الداعي للاحتفال آل الصدر في الكاظمية وطلب من السيد القاء قصيدة في المناسبة فألقى قصيدة وكانت رائعة والذي يحضرنا منها أبيات قوله:

و يا ليلة النصف لطف الإله 

                           خصك بالقمر الزاهر         

فقيدان ثانيهما أول

                           وفضل المقدم لآخر                     

          إلى أن ينتقل فيها للإطراء على الهاشميين و آل الصدر االقائمين بالإحتفال - و الظاهر أنه كان في عصر الحجة السيد حسن الصدر- واستنهاض الحجة، قوله:

وهذي سيوف بني هاشم    

                      لقد وصلوا الخط بالباتر                  

ينادون عجل أبا صالح

                         ومرنا فديناك من آمر    

فضرب السيوف وطعن الرماح

                        هما حلية الأسد الكاسر

وأرماحنا يختطفن الكماة

                       اختطاف البزاة الى الطائر

فدين الإله يضج إليك

                       و لم ير غيرك من ناصر   

                 وأيضاً ما كان بين المقدس السيد محمد حسن فضل الله و بين الأديب الشاعر المرحوم الشيخ محمد علي يوسف خاتون من بلدة جويا في جبل عامل، حيث كان السيد قد سكن فيها مدة من الزمن يحضر درسي الفقه والأصول على عمه المرحوم العلامة السيد مصطفى نور الدين، والد زوجته المرحومة زينب مصطفى نور الدين، بعد أن مكث مدة في بلدة مجدل سلم حيث هي مقر جده المرحوم العلامة الكبير الشيخ مهدي شمس الدين، وأكمل دراسته الفقهية والاصولية عليه وفي ذلك الحين اشتاق الى أصدقائه الأوفياء حيث كان منسجماً وأياهم في الدرس واالتدريس، فبعث الى صديقه الشيخ محمد علي في جويا أبياتاً لم يحضرنا منها الى بيت واحد وهو قوله:

يا مبدي الهجر أشكالاً وألواناً

                    إلى مَ تبدي لنا الهجران ألوانا

    و قد أجابه المرحوم الشيخ محمد علي برسالة نثرية ختمها بأبيات من الشعر بقوله:

إني رشفت سلاماً من مودتكم

                     لا يبرح الدهر منها القلب سكرانا

هيهات يصحو فؤادي من محبتكم

                    يا الطف الناس أخلاقاً وأردانا

أم كيف يحلو لطرفي غير رؤيتكم

                   إذ كنت للطرف دون الناس إنسانا

تالله لولا كتاب منك ينعشني

                   لم تألف الروح مني اليوم جثمانا

فامنن بنهلة أنس منك ثانية

                واسعف محباً غدا في الحب هيمانا

       وكانت هذه المراسلات في نهاية العهد التركي من حوالي سبعة وستين سنة خلت، وكان المقدس السيد محمد حسن فضل الله في ريعان شبابه وبلدة جويا كانت زاهرة في ذلك الوقت بالفضلاء والأدباء والشعراء.

      ومن المراسلات أيضاً ما كان بينه وبين أخيه السيد عبد الحسين فضل الله من بلدة عيناثا- جبل عامل- من مراسلة حيث أرسل إلى أخيه المذكور من النجف الأشرف - العراق- أبياتاً تضمنت الشوق والحنين اليه:

سواد عيوني أخي الشفوق

                  نزيل الفؤاد سلام عليك

أمامي خيالك يا منيتي

                   وشوقي أخي أبث اليك

أحن اليك حنين النياق

                  وقلبي أخي بحق لديك

      وأما قوله في الرثاء فلم يحضرنا أيضاً إلا بيتان من قصيدة قالها في غضون الحرب العالمية الأولى- التي ابتدأت من سنة 1914 وانتهت سنة1918ميلادية - وفي غضون هذه الحرب المدمرة التي قضت على الإقتصاد وذهبت بالشباب الى الحروب الطاحنة... وتفشى مرض الكوليرا- المسمى عند الناس الهواء الأصفر حيث لم يكن بالإمكان تفاديه في ذلك الوقت إذ العالم غارق في بحور من الدماء بالإضافة إلى الجراد المنتشر الذي أكل الأخضر واليابس و أتى على البقية الباقية من محاصيل البلاد وبقي الناس يعانون من ويلات الجوع والمرض والحرب.

وقد توفي من جراء مرض الكوليرا العدد الكثير من المواطنين في مدة لا تتجاوز السنتين وعم البلاء جميع البلاد.

          كما توفي من آل فضل الله من بلدة عيناثا أناس كثيرون من شباب وكهول وشيوخ كانوا من التقوى والصلاح على جانب عظيم.

          في ذلك الوقت كان السيد محمد حسن فضل الله وهو في ريعان شبابه، قد تأثر وتألم لما أصاب أبناء البلاد عامة وأبناء عمومته خاصة من الفناء فرثاهم بقصيدة منها:

بني عمنا يا خيرة الخلق ما لكم

                      رضيتم لمثواكم بطون الملاحد

كأنكم كوشفتم فذهبتم

                  إلى الخلد شتى واحد بعد واحد

 

          وأما ما أثر عنه في الغزل والنثيب فلم نعثر لا على بعض المقطوعات عن ألسن بعض العلماء الأفاضل الذين عاصروه - لأن تراثه الأدبي ومتروكاته الشعرية كانت قد فقدت كما ذكرنا سابقاً، ومنها: ما كان قد نظمه المغفور له السيد محمد حسن فضل الله في عرس احد أصدقائه عندما كان في النجف الأشرف وذلك حوالي سنة 1924 ميلادية :

سفرت فيا بدر السماء تكتم

                  ورنت فيا ماضي الغراري تكهم

بيضاء  يرشح بالحياة جبينها

                فانظر به كيف الدراري ترتمي

فكأن وجنتها صحيفة باسل

                حمراء يوم الروع تقطر بالدم

قبضت على وجناتها بأنامل

                ما أحسن الدينار لُزَّ بدرهم

ضدانٍ من وجناتها وشعورها

                صبح أغر وجنح ليل أظلم

          وايضا ما كان قد نظمه في عرس المرحوم العلامة السيد نور الدين بن السيد مصطفى نور الدين وذلك في النجف الاشرف حوالي سنة1923-1924 ميلادية. والسيد نور الدين هذا هو ابن العلامة المقدس السيد مصطفى نور الدين من بلدة جويا في جبل عامل. وقد أقام له حفلة العرس السيد محمد حسن فضل الله الذي كان متزوجاً من شقيقته. وقد اجتمع في تلك الحفلة الأدباء والشعراء وكانت حفلة عامرة أيضا بالعلماء الاجلاء والفقهاء الأفاضل. وفي هذا الحفل الرائع ألقى السيد محمد حسن قصيدة رائعة لم نعثر سوى على بعض الابيات منها:

جلا من ظلم ريقته شمولاً

                 قضت بالظلم ان تصبى العقولا

فقمت لأحتسبها سلسبيلا

                فقال إلى سواها سل سبيلا

فقلت له اليك اميل ميلاً

               فقال نعم وعنك اميل ميلا

فقلت نحلت جسماً قال خصري

               قضى أن يورث الصب النحولا

فقلت ثقلت هماً قال ردفي

              يحمل العاشق الهم الثقيل

نعم ولأنت غصن البان حقاً

              على مر النسائم ان تميل

          إلى أن يقول:

ولولا نور نور الدين يزهو

               سناه ما اهتديت له سبيلا

تشاركنا الملائك بالتهاني

                رعيل يتحف البشرى رعيلا

          حينما انتهى السيد محمد حسن فضل الله من دراسته في النجف الأشرف على يد كبار العلماء الأعلام من المراجع أمثال آية الله الحجه الميرزا حسين النائيني، والسيد أبي الحسن الاصفهاني، والشيخ أحمد آل كاشف الغطاء وغيرهم . وحاز على شهادة الإجتهاد المطلق (مجتهد مطلق الراد عليه راد على الله وهو على حد الشرك بالله).

          هذه العبارة التي كانت تتصدر شهادته العلمية.

          أخذ الكثير من أهالي جبل عامل في الإلحاح على السيد المذكور في الرجوع إلى وطنه، للإستفادة من علمه وإرشاداته، وللحاجة الماسة إلى أمثاله ممن تطمئن النفوس إليهم وتعلق الآمال عليهم. وعندما لم يلب طلبهم بالرجوع إلى بلاده توسطوا لدى كبار المراجع الدينية يومئذٍ بإقناعه بالرجوع إلى جبل عامل. فرأى عند ذلك من واجبه الديني العودة إلى أهله ووطنه ليقوم بما يفترضه الواجب الشرعي والإصلاحي من تعليم وتثقيف وهداية إلى سلوك الطريق القويم.

وحينما وصل إلى مدينة بيروت عائداً من العراق حلّ ضيفاً على المرحوم الشيخ منير عسيران الذي كان قاضي قضاة الطائفة الشيعية في ذلك الوقت.

          وقد لاقى السيد محمد حسن فضل الله عند وصوله إلى بيروت حفاوة بالغة من محبيه وعارفي فضله.

          ومن بيروت توجه السيد إلى الجنوب قاصداً بلدته- عيناثا- في جبل عامل. وسار يحف به اهله وذووه ومن جاء لاستقباله من أهل العلم والفضل والأدب. وعلى مقربة من مدينة صور استقبله حشد كبير من الفضلاء وغيرهم وعلى رأسهم المغفور له سماحة حجة الإسلام السيد عبد الحسين شرف الدين وتابعوا السير على طريق جويا بحشد كبير على متون الخيل حتى وصل الركب إلى بلدة تبنين ثم إلى مسقط راسه عيناثا.

          ولما استقر به المقام في عيناثا جاءته وفود المهنئين من العلماء والزعماء – والأدباء - والشعراء- وغيرهم.

          وقد تبارى الشعراء بتهنئته بالرجوع إلى بلاده نذكر منهم فضيلة السيد عبد اللطيف فضل الله والسيد محمد نجيب فضل الله والسيد عبد الحسين فضل الله والاستاذ حسن فياض شرارة من بلدة بنت جبيل وغيرهم.

          كذلك مدحه بقصيدة غراء خاله المرحوم الشيخ الجليل والأديب الكبير الشيخ علي مهدي شمس الدين نذكر منها هذه الابيات :

ما العز بالمال مذخور وبالولد

                         فالمال متنقلا حتماً يداً ليد

والولد صنفان هذا قاعد وكل

                       وذاك إن يستفد في دهره يفد

ما العز لبسك اثواباً فخرت بها

                      والجهل من تحتها ضاق على الجسد

ما العز أن تعتلي الجرد العتاق وأن

                    تظل من بلد تسعى إلى بلد

          و من قصيدة للأديب الفاضل الشاعر السيد عبد الحسين فضل الله:

كشف الجهل عن الشرق وزالا

                       فتفيأ في ذرى العلم ظلالا

ما ترلى الشرق سروراً قد غدا

                 ببنيه الصيد يختال إختيالا

معشر مدوا إلى العلم يداً

                 ورموا في مقتل الجهل نبلا

 

          كان المرحوم السيد محمد أمين فضل الله شاعراً وأديباً فاضلاً. و كان من جملة الذاهبين الى إستقبال السيد محمد حسن فضل الله بعد أن نظم قصيدة جيدة غراء. و على مقربة من بلدة جويا سقط السيد محمد أمين عن ظهر جواده الى الأرض، و أصابته رضوض و جراح ألزمته الفراش وأقعدته عن إلقاء قصيدته في ذلك الحشد الكبير.

          و القصيدة طويلة منها:

نتيجة رأي أعقمت وذنوب

                     ونشوة مشغوف عرت وخطوب

تحملها الجاني فبات مع الضنا

                   بأحشائه للمنعشات دبيب         

يرى السقم في عينيه راحة وامق

                    يدانيه من بعد البعاد حبيب

تأوه مسروراً وأنَّ منعماً

                   كأن له طيب اللقاء طبيب

يهوّن ما يلقاه أنك ناظر

                   اليه ومنه سامع ومجيب

أيصبح مطوي الضلوع على جوى

                   أخو سقم والبرء منه قريب

شفيت بمرآك النفس وداؤها

                  تعاسر أن يشفى وانت غريب

          إلى أن يقول :

سلكت بنا النهج القويم فما اشتكى

                           مجدّ عثار السير حيث يجوب

فلو نظرت أسلافنا عزّ يومنا

                           بفضلك للدنيا تود تؤوب  

أعدت لنا غصن العلى مثل عهده

                         رطيباً وفضل الغصن وهو رطيب

غاشيك من غمز الظنون على الهوى

                        وهيهات ما للغمز منك نصيب

عظمت فلا يستطيع مدحك شاعر

                        مجيد ولا يدري ثناك خطيب

بك الناس جذلاً كل فرد من الهنا

                        وفيك الأماني باسم وطروب

تكاد ارتياحاً أن تطير وغبطة

                        بعلياك منها أنفس وقلوب

حواليك رفت انفس القوم ترتوي

                         لمزن المعالي منك وهو حبيب

نخالف إلقاء الثنى فيك منهم

                           وكل بها يثي عليك مصيب

محمد فيك الحق أشرق وجهه

                          ابتهاجاً ووجه المبطلات كأيب

يهنيك دست أنت فيه إلى العلا

                         قرين وفي حفظ الكمال دؤوب

تظل طليق الوجه تبسم راضياً

                           وصدرك مثلوج الجنان رحيب

كأن الرضى والبشر ضربة لازب


 

 

 

العلامة حجة الإسلام

السيد علي فضل الله طيب الله ثراه

1332 هـ1427هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

          (يا ايتها النفس المطمئنه(27)ارجعي الى ربك راضية مرضيه(28)فادخلي في عبادي(29)وادخلي جنتي) الفجر (27-29).

          جبل عامل، الجبل الاشم، فوق تربته الطيبة قامت نهضة علمية وثقافية، سايرت الزمان قرناً فقرناً، رغم الضغت والأضطهاد الذي وقع على أهله منذ العصر الأموي... حتى العصر العباسي..الى العصر العثماني وسلطنة الأتراك.

ورغم ما أحاط بأهل جبل عامل، وهم قله بين مخالفيهم مذهبا و سياسة، من ظلم و جور خاصة زمن الوالي التركي أحمد باشا الجزار - البشتاقي- الذي حكم تسعة وعشرين سنة (1775-1804م).

          وكانت عاصمة حكمه الجائر مدينة عكا. وررغم هذا كله بقي ابناء جبل عامل على ما هم عليه من النشاط الديني والعلمي، وذلك بجهود ابنائه من علماء الدين. إذ انشئت في جبل عامل، من عهد قديم، مدارس و معاهد تُدرّس فيها جميع العلوم، خاصة العلم الديني والفقه الجعفري. وصار يؤمها الطلبة من مختلف البلدان المجاورة .

          ومن أبرز مدارس جبل عامل، مدرسة الشهيد الأول (شمس الدين بن مكي محمد الجزيني)، ومدرسة ميس ومشغرة وجباع وعيناثا ووو...

          و في ذلك يقول الشاعر:

وعصرٍ فيه من جبع و ميس

                         وعيناثا مصابيح تشب

          وقد رصعت عيناثا جبين التاريخ بالدرر، بما اخرجته من علماء اعاظم، و فقهاء أفاضل، منهم من كان لهم الفخر بنسبهم الرفيع الذي ينتهي الى الإمام الحسن السبط ابن الإمام علي بن أبي طالب، كآل  فضل الله الكرم.

ومن أغصان دوحة الشرف كان السيد علي فضل الله، ابن السيد محمد حسن بن علي بن هادي بن فخر الدين بن يوسف بن السيد بدر الدين بن علي بن محمد بن جعفر بن يوسف بن محمد بن الحسن بن عيسى بن فاضل بن يحيى بن جوبان بن الحسن بن ذياب بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن محمد بن محمد بن داوود بن إدريس بن داوود بن احمد بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن المثنى بن علي بن أبي طالب.

ولادته:

          ولد السيد علي فضل الله الحسني عند انتهاء الحرب العالمية الأوله سنة 1332هـ - 1918ميلادية في بلدة مجدل سلم جنوب لبنان. وفي ولادته قال الشاعر الكبير الشيخ محمد حسين شمس الدين قصيدة طويله منها:

لقد لقبوه علياً علا               وأرخته بأغر لقب

وبعد عام من ولادته، شدَّ والده الرحال الى العراق لإكمال علومه الدينية، في النجف الأشرف، حيث كانت مركزاً للعلم الديني من أصول، وفقه، ونحو وصرف، ومعانٍ و بيان. وغيرها من العلوم الدينية الكلامية والفلسفية والإجتماعية.

          وهناك، في مدارس النجف الأشرف، و أروقة الصحن الشريف، عند مقام الغمام علي (ع) كانت تعقد حلقات الدرس والتدريس و المذاكرة، تغمرهم روحانية المكان المنبعثه من جلال المقام، مقام باب مدينة العلم، ويلفهم أمير البلغاء... فكانو يعبون من منهل العلم في ذلك المقام المقدس.

نشأته:

          درج السيد علي فضل الله الحسني في طفولته و نشأ و ترعرع في النجف الأشرف، وتلقى مبادئ علومه على يد والده السيد محمد حسن و بعض الأفاضل ولما بلغ الأربعة عشر عاماً، صحب والده الذي رجع إلى جبل عامل، مع عائلته واستقر بهم المقام في بلدة عيناثا سنة 1932ميلادية. وبعد مرور اربع سنوات اقام السيد علي في بلدة مجدل سلم حيث كان يملك بعض الأراضي و بيتاً للسكن.

          كان منزل السيد علي فضل الله في بلدة مجدل سلم مؤئلاً لثلة تحلت بالأدب والشعر والفكاهة. وعلى رأس هذه الثلة الشاعر الفضيل الشيخ علي مهدي شمس الدين. فكانو يعقدون السهرات العامرة يتداولون القريض، ويتبارون بنظم الشعر على اختلاف معانيه و بحوره... فكأنها ندوات... وأصبحت تلك الندوات عبارة عن مدرسة أدبية يقصدها الرواد أصحاب الأدب والشعر والفكاهة.

          هكذا أمضى السيد علي أيام شبابه متنقلاً في رياض العلم والأدب، فمن مقره في مجدل سلم إلى عيناثا - موطن الأهل والأحباب- إلى بلدة جويا حيث أخواله السادة من آل نور الدين، خاصةً خاله العلّامة السيد نور الدين و أخوه الأديب الشاعر عبد الحسين نور الدين.

هجرته:

          في مطلع سنة 1948، حيث دارت معارك ضارية بين العرب واليهود في فلسطين، وامتد الزحف الإسرائيلي اليهودي إلى القرى اللبنانية - قرى جبل عامل المتاخمة لفلسطين- ولاقى أهل تلك القرى من القتل والتشريد وويلات الحرب الشيء الكثير؛ لأن ملوك العرب ورؤساءهم كانو ولم يزالو.. متفرقين أشتاتاً... قد مزقتهم يد الإستعمار والأنانية المستولية عليهم. همهم الوحيد المحافظة على الكرسي والسلطان.

          في ذلك الوقت كان السيد علي فضل الله لا يزال مقيماً في بلدة مجدل سلم. فهاجر إلى العراق، إلى النجف الأشرف لإكمال دراسته في الفقه الإسلامي الجعفري، لأنه كان في ريعان شبابه عازماً على أن يصبح عالماً دينياً، و رائداً من رواد الإصلاح والهداية، وداعياً إلى الدين الإسلامي الحنيف.

          في النجف الأشرف حطّ رحاله، و اسستقرّ به المقام. وانسجم في بيئة النجف مع أترابه طلبة العلم الديني - وخصوصاً العامليين- الذين رحبوا به، وأخذوا يدعونه إلى ولائم في بيوتهم على سبيل التكريم، وإظهار الحب والتعاطف.

          ومن أبرز الولائم وأجلها، وليمة آية الله المرجع الديني الكبير في ذلك الوقت – السيد محسن الحكيم – الذي كانت تربطه بالسيد علي وشائج قربى و رحم. وكان المرجع المقدس السيد محسن يعامله معاملة حسنة كأنه من أفراد عائلته.

            سارت الأمور مع السيد علي في مسراها الطبيعي، فكان يقضي جلّ أوقاته في الدرس والتدريس، والبحث والتدقيق، والمذاكرة مع اصدقاء طيبين من الطلبة العامليين وبعض النجفيين. وفي نهاية الأسبوع يذهبون جماعات للترويح عن النفس إلى الكوفة للقضاء ساعات على شاطئ الفرات. أو يذهبون إلى مسجد الكوفة للصلاة فيه والتبرك بزيارة مقام مسلم بن عقيل الذي بجانبه، أو إلى مسجد السهله المعروف قرب النجف الأشرف.

          وفي عطلة الأسبوع أيضاً - ليلتي الخميس و الجمعة- كانو يذهبون لحضور مجلس تعزية (عزاء سيد الشهداء والإمام الحسين بن علي) عند بعض اللبنانيين العامليين الأكبر سناً و الأقدم هجرة، أمثال المرحوم العلامة السيد حسين مكي، والمرحوم العلامة السيد عبد الرؤوف فضل الله، والعلامة الشيخ محمد تقي الفقيه.

          كانت هذه المجالس، عبارة عن ندوات مذاكرة، يلقي بعض الطلبة سؤالاً، ويدور النقاش... فكانت تلك المجالس الحسينية مفيدة جداً حيث كانت للجميع من طلبة وعلماء... يرتشفون الفائدة مع كؤوس الشاي، ولفائف التبغ- السيكارة- فتحلق أرواحهم في أجواء السعادة، وتختفي الطبقية، والأنانية، فتعمهم الغبطة وينسون ألم الغربة وفراق الأهل و الوطن.

دراسته:

          كانت دراسة السيد علي فضل الله الحسني في النجف الأشرف على المستوى اللائق لطلاب العلم المجدين. فكان من اساتذته الأوائل بعد وصوله إلى النجف، المرحوم العلامة السيد إسماعيل الصدر.. الذي درس عنده المعاني والبيان والمنطق وغيرها من المواد التي يتحتم على الطالب الديني في مدرسة النجف ان يدرسها.

 

          وأما في الفقه، فقد درس اللمعة الديمشقية(1) عند المرحوم العلامة الشيخ محمد طها الكرمي - الحويزي وهو من كبار مدرّسي بحث الخارج آنذاك ولا يدرّس اللمعة ولكنه درّسها للسيد علي إكراماً له- والعلامة الشيخ محمد تقي الجواهري.

كما حضر درس الكفاية في الأصول عند العلامة الشيخ محمد تقي الأيرواني.

ومن أساتذته أيضاً العلماء الأجلاء: السيد محمد تقي بحر العلوم الذي درس عنده كتاب الرسائل في الأصول للشيخ الأنصاري.

كما درس كتاب المكاسب عند المرحوم العلامة الشيخ عباس الرميتي.

وحضر ردحاً من الزمن، درس الفقه على العلامة الكبير السيد علي الغاني مع لفيف من الطلبة العامليين المعروفين بالاستقامة والتحصيل.

وتابع دراسته أيضاً مدة من الزمن في الفقه وغيره عند المرحوم العلامة الكبير الشيخ محمد طاهر آل الشيخ راضي. وكان هذا الدرس تمهيداً لدرس الخارج – نصف خارج – محاضرات موسعة  - في الفقه والأصول على كبار المراجع الدينيين في ذلك الوقت أمثال: السيد محسن الحكيم، السيد عبد الهادي الشيرازي، والسيد ابي القاسم الخوئي قدس الله سرهم.

          في سنة 1950 ميلادية تزوج السيد علي فضل الله من الآنسة مريم ابنة خاله الأديب الشاعر السيد عبد الحسين نور الدين من بلدة جويا في جبل عامل. وبهذه المناسبة السعيدة أقيم حفل كبير ضمّ عدداً كبيراً من العلماء الأجلاء.. وخيرة الفضلاء والنخبة من الشعراء والأدباء. وقد ألقيت فيها الكلمات والخطب والقصائد الشعرية التي تحتوي على تقديم التهاني لوالد العريس العلامة الكبير السيد محمد حسن فضل الله.

 

(1)اللمعة الديمشقية للإمام محمد بن مكي- الشهيد الأول- ولد في جزين ودرس على أبيه وأتم تحصيله في العراق- الحلة- حتى أصبح من أشهر علماء الإمامية. لم يسلم من شرور التعصب فوشى به حساده، وقبض عليه و سجن في قلعة دمشق وقتل بعد 11شهراً وصلب، وأحرقت جثته سنة 1384م. بفتوى القاضي ابن جماعة في عصر السلطان برقوق.

 

عودته من العراق إلى وطنه لبنان:

          في سنة 1962ميلادية، وبعد مضي حوالي 15سنة من الهجرة في طلب العلم في جامعة النجف الأشرف رجع السيد علي فضل الله الحسني إلى وطنه لبنان يحمل شهاداته - إجازته العلمية- الحائز عليها من كبار المراجع الآنفي الذكر، التي تدل على تحصيله العلمي وجده واجتهاده وتقواه.

          وكان السيد علي أيضاً محل ثقة الجميع من أساتذته ومعارفه و قد شهدو له بالتحصيل العلمي والتقوى والصلاح. كما أعطاه الإمام روح الله الخميني وكالة مطلقة تدل على مكانته العلمية وتحصيله.

          ولما وصل إلى وطنه الحبيب، لم يجعل إقامتة في بلدته عيناثا - لبنان الجنوبي - جبل عامل - بل استقر به المقام في الضاحية الجنوبية من مدينة بيروت- برج البراجنة.

نشاطه الديني والإجتماعي:

          في بيروت، وفي برج البراجنه حيث إستقر المقام بالسيد علي فضل الله الحسني، أخذ يمارس واجبته الدينية والإجتماعية، وكل ما يترتب على العالم الديني القيام به. فكان يؤم الناس لصلاة الجمعة و الجماعة في مسجد برج البراجنة؛ و بعد إنتهاء الصلاة كانت تعقد حلقة الدرس لطالبي التفقه بالدين.

          كذلك أسس في منزله حلقة تدريس واسعة يدرس فيها الفقه، والنحو والعلوم الإجتماعية حتى تحول منزله و المسجد ايضاً إلى مدرسة دينية يلقي على طلابه دروس الفقه و النحو و المنطق.

          كان من نشاطه الإجتماعي، تأسيسه لجمعية الإمام الحسين بن علي في برج البراجنة.

          ومن نشاطه الإجتماعي ايضاً، انه اسس جمعية التعليم الديني الإسلامي المجاني، في جميع انحاء لبنان. فكان هو المؤسس، والرئيس مع بعض الإخوان من العلماء الأفاضل.

          كذلك ساهم في تأسيس جمعية الهداية والإرشاد العلمية.

          كذلك كان الساعد الأيمن لوالده العلامة السيد محمد حسن فضل الله، والمرحوم العلامة الشيخ موسى عز الدين وغيرهما، عندما قاموا بتأسيس جمعية علماء الدين في مدينة صور.

          وأما المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى، فقد كان السيد علي فضل الله أحد مؤسسيه والقائمين على تركيزه، ودعائمه ومن أعضائه الإثني عشرالذين لهم اليد الطولة ولهم الفضل بالجهود التي بذلت في إنشاء هذا المجلس.

          وبعد مدة وجيزة من إقامته في لبنان- بيروت-، دُعي لتولي منصب القضاء الجعفري. فرأى أنّ الواجب عليه أن يلبّي الدعوة، لعل من خلال سلطته الشرعية يتمكن من ان يقيم حقاً او يدحض باطلاً، لأن الكثيرين من الناس ينظرون الى السلطة نظرة الرهبة والإحترام !...      

          ومشت به الأيام، فكان قاضياً شرعياً نزيهاً، يعمل بتقوى الله وما يمليه عليه دينه وضميره. فكان في محكمة صور، ثم انتقل إلى محكمة النبطية ومنها إلى بيروت. وكل من عرفه يشهد له بأن حكمه العدل، والإنصاف، لا تأخذه في الله لومة لائم. ومن صراحته و عدم تحيزه إلاَّ للحق، ما رواه احد الثقاة الحج علي بيرم، و هو مساعد قضائي في محكمة بيروت الشرعية الجعفرية التي كان يرأسها السيد علي فضل الله: أنه دخل أحد الزعماء من النواب البارزين ليتوسط لأحد المتداعين، فما كان من السيد إلاَّ ان التفت اليه قائلاً: ما قولك غداً يوم الحساب الأكبر، إذا سئلت عن هذه الدعوى، هل حكمت بالعدل؟ فهل يكون الجواب مني: لقد توسط لدي صاحب الوجاهة فلان فلم يسعني رده!؟. فبهت الزعيم ولم يحر جواباً. وهكذا كانت سيرته في المحكمة... النزاهة... و الاستقامة... والعدل...

          و أخيراً، أستقر به الامر، لأن يكون في محكمة بيروت الشرعية الجعفرية العليا المستشار الاول.

نشاطه العلمي و الأدبي:

            ومع ممارسته للقضاء، لم ينسى ما جبل عليه من حب المطالعة ، والإستفادة وإفادة الناس، رغم مشاغله في القضايا الاجتماعية، وقضايا المحاكم، والنظر في الدعاوى، وإصلاح ذات البين، أخذ بالتأليف والنشر؛ ولم يلهه القضاء أو الوظيفة عن الكتابة بما يفيد الناس، حيث يكون له هذا العمل ذكراً وذخيرة، تطبيقاً لما روي: إذا مات إبن آدم إنقطع أمله إلاَّ من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له.

          ولهذا التاريخ، صدر للسيد علي فضل الله من الكتب المطبوعة: في ظلال الوحي الطبعة الثالثة، الأخلاق الإسلامية الطبعة الرابعة، سيرة الرسول وخلفائه- صدر منه للآن سبعة أجزاء، كشكول الحسني مخطوط.

          ولم يقتصر على النشر والتأليف، بل كان صاحب روح شعريه فقد نظم الشعر وهو في مطلع شبابه، وله قصائد في شتّى الميادين.        

 

 

الأديبة الفاضلة السيدة مريم نور الدين فضل الله


ولادتها

ولدت الكاتبة اللبنانية، الأديبة والباحثة الإسلامية السيدة مريم نور الدين فضل الله وترعرعت في بيئة علمية أدبية، في ربى جبل عامل الذي أخرج العلماء والأدباء وأصحاب الفكر في شتى المجالات على مر السنين والأعوام، رغم الضغوط السياسية والإقتصادية التي كان يتعرض لها هؤلاء العلماء في جبل عامل (لبنان الجنوبي)، رأت النور السيدة(مريم) في سنة 1935 للميلاد. فكانت البنت الرابعة لأبيها الأديب الفاضل المرحوم عبد الحسين نور الدين (عميد آل نور الدين)، الذي ينتهي نسبهم إلى الإمام السابع (موسى بن جعفر) الملقب بالكاظم (ع).

نشأتها

نشأت السيدة مريم وترعرعت في بيت والدها الذي كان مهوى أفئدة الأدباء ومحط آمال طلاب المعرفة، فيه تعقد الندوات الأدبية، وفيه يجتمع أهل العلم، يتحلقون ببساطة حول(السماور) يحتسون الشاي ويرتشفون من أقداحه مباحثاتهم الأدبية ومناظراتهم العلمية ومناقشاتهم الإجتماعية والأخبار السياسية وغيرها من الأمور الحياتية التي كانوا يتداولونها في ذلك الحين في جلساتهم.

طفولتها وشبابها

كانت السيدة مريم تسبح في طفولتها وشبابها في هذا الجو المليء بالعلم والأدب، فنشأت على حب المطالعة وحفظ الشعر وقراءة التاريخ. حتى حازت قصب السبق بين أترابها، إذ كانت الأولى دائما في المدرسة الإبتدائية في جويا، أو في مدينة صور( بالمدرسة الثانوية)، التي إلتحقت بها لمتابعة دراستها بعد نضال مرير من المعارضة التي لاقتها من أفراد مجتمعها الذين كانوا لا يرون تعليم البنات من الأمور المستحبة أو المستحسنة. ولكن والدها الذي كان يتحلى بالإنفتاح الفكري والأخلاق الإسلامية، ويؤمن بالحديث الشريف: "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة"، لم يصغ لمعارضة أحد بل أصر على تعليم بناته وتسلحيهن بالعلم... وتزيينهن بالفضيلة والمعرفة مهما كلف الأمر.

زواجها وسفرها إلى العراق

في سنة 1951 تزوجت السيدة مريم من إبن عمتها السيد علي فضل الله الحسني صاحب العلم والمؤلفات القيمة الجليلة وسافرت إلى العراق حيث كان لا يزال يتابع دروسه الدينية وأبحاثه الفقهية على المراجع الشيعية الكبرى في النجف الأشرف في ذلك الوقت. إنتقلت إلى مدينة النجف الأشرف وسارت الحياة معها طبيعية وإندمجت في مجتمعها الجديد، فلاحظت أنه على مستوى عال من العلم والفكر والثقافة. لكن وجدت أن نسبة المتعلمات ضئيلة جدا، مما حملها على النهوض مع ثلة طيبة من اللواتي وجدت عندهن الهمة العالية والطموح لخدمة المجتمع النسائي والدين والإنسانية. ورفع مستوى النساء اللواتي لم تساعدهن الظروف الإجتماعية والإقتصادية للتعليم. أو ضغطت عليهن قيود المجتمع وتقاليده الظالمة، لنشر العلم والمعرفة بين النساء الأميات، بعقد ندوات تارة، وبالتعليم تارة أخرى يعلمن من فاتها قطار العلم من قراءة وكتابة رغم الصعوبات التي يلاقينها جراء الأوضاع السياسية والإجتماعية والإقتصادية، والضغوطات على المرأة من عادات وتقاليد موروثة، حيث كن يعملن بجد ونشاط، ويتنقلن في الخفاء من مكان إلى مكان ، ومن بيت إلى بيت، لأداء هذه المهمة، راجيات من الله التوفيق والرضا والأجر، علاوة على كتابة البعض منهن المقالات بأسماء مستعارة، تدعو فيها لرفع مستوى الفتيات العلمي والثقافي.

عودتها إلى لبنان وبدء نشاطها الإجتماعي

في سنة 1962 ميلادية، عادت السيدة مريم إلى وطنها بصحبة زوجها وأولادها. وإستقر بها المقام في مدينة بيروت- برج البراجنة- فوجدت أن الإستهتار بالقيم الدينية والأخلاقية ينتشر بين الناس على إختلاف أنواعهم وطبقاتهم. شمرت السيدة مريم عن ساعد الجد، وراحت تعمل بما في وسعها لنشر الفضيلة والدين وتكافح وتناضل بلسانها وقلمها وأفكارها فأخذت تجمع حولها ما استطاعت من النساء فتعقد شبه ندوات بسيطة، فما أن يهل شهر محرم، حتى تسارع لدعوة نساء المنطقة، لإقامة مجلس عزاء سيد الشهداء الحسين بن علي(ع)، طيلة أيام عاشوراء في منزلها، فكانت تغتنم هذه الفرصة للإجتماع لأكبر عدد ممكن من النساء والفتيات لتعليمهن ووعظهن وإرشادهن إلى أصول الدين وتعاليمه وما يترتب على المرأة المسلمة من حقوق، وما ينبغي عليها القيام به والإلتزام فيه من واجبات إجتماعية وفرائض دينينة.

أم لثمانية أولاد مثقفين

علاوة على القيام بواجباتها من الأعمال المنزلية، وتحمل المسؤولية كربة بيت مثالية، وأم لثمانية أولاد، وسيدة مجتمع، كانت مثال نادر للنشاط والحيوية هي وزوجها الذي لا يقل عنها حماسا لخدمة الإسلام والمسلمين فشاركت زوجها في إيجاد جو علمي وأدبي وثقافي في البيت الذي أثمر أولادها الثمانية، ثلاثة ذكور، هم اليوم الدكتور عبد الأمير وعالما دين هما السيد عبد الكريم والسيد عبد الله وبناتها الخمس- بتول، سهام، زينب، منى وهنا، وقد حصلن على أعلى الشهادات وتخرجن جامعيات متفوقات.

مؤلفاتها

وها هي السيدة مريم الآن رغم الإضطرابات والحروب الدامية، التي أصابت وطنها لبنان، والتهجير والرعب الذي لاقته في تلك الأيام العصيبة، لا تزال في نشاطها المعهود، وممارسة هوايتها المفضلة، المطالعة، التأليف، والكتابة ولها في هذا المجال كتب عدة هي:
* المرأة في ظل الإسلام - الذي صدر سنة 1979م، وأعيد طبعه خمس مرات.
* نساء في القرآن - الذي صدر سنة 1993م، وأعيد طبعه مرتان.
* طلائع الشهداء من بني هاشم - الذي صدر سنة 2000م.

هذا بالإضافة إلى عدة كتيبات هي:
* السيد عبد الحسين نور الدين، سيرة وتاريخ - الذي صدر سنة 2008م.
* ترجمة العلامة حجة الإسلام السيد علي فضل الله - الذي صدر سنة 2006م.

فضلا عن عدة مقالات ومقابلات في مجلة "عفاف" الصادرة في بروكسل- بلجيكا، وفي مجلة العرفان الصادرة في لبنان، ومجلة نور الإسلام، وجريدة الوطن الكويتية وفي مجلة الرصد الثقافي الصادرة عن المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت.

 

 

 

سماحة العلامة السيد عبد الكريم فضل الله

 سماحة آية الله السيد عبد الكريم فضل الله

 

ولد في النجف الأشرف في 3- 11 – 1956 م., حين كان والده يطلب العلوم الدينية هناك, وهو من عائلة علمية كريمة يتشرف نسبها بوصوله إلى الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (ع), فوالده القاضي المؤرخ آية الله السيد علي فضل الله (قده) صاحب مؤلفات عديدة منها: "سيرة الرسول وخلفائه"، "الأخلاق الإسلامية" "في ظلال الوحي"، وجدُّه لأبيه آية الله السيد محمد حسن فضل الله (قده) وهو صاحب مؤلفات منها: "مباحث الحجة"، "الأصول العملية"، و "روض الصالحين".

ووالدته الأديبة الفاضلة السيدة مريم نور الدين صاحبة مؤلفات عديدة منها: "المرأة في ظل الإسلام"، "نساء في القرآن"، "أمهات الأئمة(ع)"، "طلائع الشهداء من بني هاشم". وهي ابنة السيد عبد الحسين نور الدين وكان من وجهاء بلدة جويّا في جبل عامل وهو نجل العلامة المقدس السيد مصطفى نور الدين (قده) الذي يتصل نسبه بالإمام السابع موسى بن جعفر الكاظم (ع).

كان توجهه إيمانيّاً منذ صغره, فقد درس كتاب قطر الندى في النحو على والده وهو ابن عشر سنين كما درس كذلك منهاج الصالحين.

وبعدما أنهى دراسته الثانوية في الكلية العاملية غي بيروت، ونجح في امتحان الدخول في كلية الطب في الجامعة اليسوعية في بيروت قرَّر التوجه إلى النجف الأشرف والإنقطاع إلى العلوم الدينية وذلك سنة 1973 م.

ورغم كونه لامعاً في عالم الدرس والتدريس في النحو والمنطق والفقه والأصول والبيان فقد قرَّر ترك النجف بعد الإفراج عن أخيه العلامة السيد عبد الله من سجن البعثيين ظلماً, وأثناء المحنة القاسية التي مرَّت بها الحوزة خصوصاً والعراق عموماً, مودعاً مراجعها وعلمائها وأساتذتها وفي قلبه غصّة لذلك.

وصل إلى لبنان والحرب الأهلية على أشُدِّها التي استمرت بعد الإجتياح الإسرائيلي, وقرّر أن يبقى مع الناس يؤدِّي مهمته التبليغية خصوصاً على صعيد الجامعات والمدارس وإنشاء حلقات تعليمية رغم القصف المدفعي والصاروخي على التجمعات السكنية. ورغم الأوضاع الأمنية الصعبة التي كانت تمرُّ بها البلاد، فقد جدَّد النشاط في جمعية الإمام الحسين بن علي (ع) الخيرية مع أخيه السيد عبد الله وهو صاحب كتاب مفصل في المنطق، حيث أسست مراكز طبيَّة وثقافية وعلمية, وانبثق عنها جمعية تعنى بالبيئة والنظام العام. كما أسس معه حوزة الثقلين العلمية. وهو حاصل على شهادة البكالوريوس في الفلسفة وعلم النفس من الجامعة اللبنانية في بيروت.

درَّس في لبنان المقدمات والسطوح وصولاً إلى كفاية الشيخ الآخوند ومكاسب ورسائل الشيخ الأنصاري ومنذ عدّة سنوات يلقي محاضرات في بحوث الخارج في الفقه والأصول وعلم الرجال، ويمتاز درسه بتطوير نظريات في هذه المجالات وله فوائد كثيرة في مختلف العلوم التي يحتاج إليها في مقام الإستنباط.

يحمل شهادة بالإجتهاد من النجف الأشرف.

تم تأسيس هيئة أمناء الحوزات العلمية في لبنان التي انبثقت عن هيئة المؤسسين. وصدر ميثاق الحوزات العلمية بتاريخ 27 رجب 1423 هجرية الموافق 7 – 1 – 2002م.

هذه الهيئة المؤلفة من سبعة من علماء لبنان تساندها هيئة المؤسسين المؤلفة من أحد عشر عضواً من العلماء ليست جهة رسمية بل جهة حوزوية أُنيط بها ضبط الوضع الحوزوي وتطويره.

صدر له عدة كتب ومطبوعات منها:

-         وسيلة المتفقهين وهو دورة فقهية كاملة, تمتاز ببيان منهجية إستنباط كل فرع, وبيان مصطلحاته, وقواعده والروايات الرئيسية فيه, مع ذكر الآيات القرآنية واشارة إلى اعتبار كل رواية وعدمه. وهو في ثلاثة مجلدات.

-         طفل الأنبوب والإستنساخ. وهو ملخص لبحث الخارج في هذا الموضوع. دراسة فقهية.

-         الزواج والطلاق المدنيان: وهو نظرة سريعة مكثفة للزواج المدني ومفاعيله القانونية والفكرية.

هذا وقد خصص السيد في البحث الخارج باباً كاملاً من أبواب كتاب النكاح حول مشروعية الزواج المدني, والمسيار, والعرفي, والمساكنة, وأحكامها.

-         تهمة التحريف بين المسلمين السنة والشيعة.

-         لو بايع الحسين, وفيه تسليط الضوء على أهم دوافع الحركة الحسينية التي لم تطأها أقدام الروائيين, والتي قد تعطي دفعاً لانتشار ذكرى الحسين (ع) والقيم التي قام لأجلها عند كل الطوائف.

-  الحجاب هو هي والرغبة.

-   منهجية ومراحل الإستنباط.

-   بيان مواقع الاصول والقواعد في عملية الإستنباط.

-   دروس في منهجية الإستنباط.

-   المصطلحات: المعنى الفقهي.

-   إطلالة على الإسلام.

سماحة العلامة السيد عبد الله فضل الله

 

 

   

    ولد سماحته في 15/11/1958 إبان ثورة اللإنقلاب على الحكم الملكي في العراق. والده العلامة المحقق السيد علي فضل الله نجل آية الله العظمى السيد محمد حسن فضل الله وهو بدوره سليل الأسرة العلمية المعروفة في جبل عامل، وله مؤلفات عديدة منها: في ظلال الوحي- الأخلاق الإسلامية- سيرة الرسول وخلفائه(سبع مجلدات)، ووالدته السيدة الفاضلة والمؤلفة الباحثة مريم إبنة السيد الأديب عبد الحسين نور الدين نجل العلامة السيد مصطفى نور الدين من بلدة جوياقضاء صور، ولها مؤلفات عديدة منها: المرأة في ظل الإسلام- أمهات الأئمة- نساء في القرآن- طلائع الشهداء من بني هاشم- إلخ..

        وبقي السيد في طفولته مع والده قرابة ثلاث سنوات ونصف إلى أن عاد والده إلى لبنان بعد عودته من الهجرة . أمضى بقية السنين فيما بعد إلى سنة 1975 عندما حدثت الحرب الأهلية في لبنان، حيث أحدثت منعطفا قسريا في مسيرته الدراسية ويحدث السيد عن نفسه بعد ذلك ويقول: "كانت الحرب الاهلية 1975-1976 قد أجبرتني على الانقطاع عن المدرسة الثانوية حين كنت بصدد انجاز شهادة البكالوريا القسم الثاني , إذ لم تبق حينئذ مدارس في كل لبنان ولا الأوضاع سمحت بذلك, حينئذ رَجُحَ عند الأهل السفر الى العراق الى منزلنا في مدينة النجف الأشرف . وأثناء الإقامة هناك , كانت الاخبار غير مشجعة للعودة , وكان ذلك في كانون عام 1976 .

        استخرت الله مرتين للبقاء في النجف , الاولى عند العلامة الحجة المرحوم السيد حسن الخرسان عندما التقينا به في الروضة العلوية بصحبة الوالد(قده) , والثانية عند آية الله السيد الخوئي(قده). وكانت نتيجة الخيرة في المرتين أمر بالبقاء, ولكن مع ذلك ولشدة اقتناعي بأن انجز شهادتي الثانوية ثم الجامعية, رجعت الى لبنان."

        كانت بداية طلب العلم الديني في مقتبل العمر وتحديدا في صيف 1976 , عندما شرع في دراسة كتاب قطر الندى في النحو, على يد العلامة الشيخ علي نور الدين في جويا اذ أقام مع الاهل إقامة قسرية هناك بسبب شدة الحرب الاهلية في بيروت, ووصل في الدراسة الى آخر باب النواسخ , أي منتصف الكتاب. ولكن خاب أمله اذ ان الحرب لم تهدأ الا بعد سنتين . ثم هاجر مرة ثانية الى النجف بصحبة الاهل صيف عام 1976 , كما هاجر كثير من الاسر اللبنانية آنذاك وهناك بدأت مسيرته العلمية في النجف حتى أواخر عام 1981 عندما اعتقل ثم سُفـّر مكرها ً الى خارج الحدود العراقية.

مختصر المراحل الدراسية

    في مرحلة المقدمات :

- أعدَّ دراسة قطر الندى على يد السيد رياض الحكيم كاملا ً ثم اتبعه بدراسة شرح ابن الناظم كاملا ً عنده ايضا ً.

- درس المنطق كاملا ً عند العلامة الشهيد السيد عبد الصاحب الحكيم ابن المرحوم حجة الاسلام السيد محمد حسين الحكيم.

- درست حاشية الملا عبدالله عند أخوه السيد عبد الكريم فضل الله كاملة والشيخ عبد الحسين صادق.

- كتاب الشرائع درسه كاملا ً عند الشيخ عبد العبدالله ودرس كتاب القضاء عند أخوه السيد عبد الكريم استثناءا.

- درس معالم الاصول كاملا ً على يد السيد عبد المنعم الحكيم وهو موجود في النجف

- درس مختصر المعاني بكامل بابي المعاني والبيان عند أخوه السيد عبد الكريم وكان زميلي الدراسة السيد سعيد خلخالي والشيخ عبدالله السميِّل الاحساني.

- الاصول واللمعة الدمشقية بدأ بدراستهما وقد درس الاصول كاملا ً بجزئيه , الأول عند السيد محمد رضا الحكيم نجل السيد محمد حسين الحكيم وكان زملائه السيد محمد سعيد خلخالي وهو وكيل للمرجع السيستاني في لندن الآن والسيد علي المرعشي.

- الجزء الثاني درسه عند السيد ابو حسن فاضل بهسودي وكان من فضلاء الأفغان الكبار , وكان السيد محمد سرور الواعظ الحسيني البهسودي عمه صاحب كتاب مصباح الاصول.

- درس بابي الطهارة والصلاة في اللمعة على يد أخيه السيد عبد الكريم ثم باشر بدرس الكفاية .

ظروف اعتقاله

        في شهر تشرين الاول 1981 اعتقل من قبل السلطات العراقية من الطريق عندما كان ذاهبا ً الى درس الكفاية عند الشيخ عبد الحسين صادق حفظه الله , وهكذا بدأت حقبة أخرى من مسيرته العلمية. بعد أن خرج من أسر ٍ دام حوالي 40 يوما ً عانى فيها صنوف القهر والتعذيب , عاد الى لبنان ليستأنف المسيرة العلمية.

 

دراسة السطوح

       عندما رجع الى لبنان كانت الحرب الأهلية مستمرة والحرب العراقية الايرانية كذلك , وقتها حاول السفر الى ايران لإتمام الدراسة ولكن اشتداد الحرب هناك وبدء حرب المدن بالصواريخ عندما سقط في مدينة قم وحدها عشرات الشهداء هذا ما جعل والده (قده) يصرّ عليه بعدم السفر الى هناك . فوجد انه لا بد من إتمام الدراسة في لبنان وقتها لم تكن توجد معاهد دينية الى عام 1982.

ووقع ما لم يكن في الحسبان حيث شنت اسرائيل عدوانها في الصيف وما نتج عنه من تغير الاوضاع ونشوب الحرب الاهلية من جديد. وبسبب ما مرّ عليه من فترة الرجوع الى لبنان والاجتياح الاسرائيلي الذي لم يدع مجالا ً للاستقرار الا بعد دخول العام 1983 ولأجل التثبت أعدَّ دراسة أصول المظفر ثانيةً بكامله واتم دراسة اللمعة الدمشقية ودراسة الكفاية كاملة بجزئيها عند أخيه السيد عبد الكريم ثم أتم دراسة الرسائل كاملة وبدأ بالمكاسب وواكبها بحضور درس الخارج عند آية الله الشيخ محمد تقي الفقيه وآية الله الشيخ حسن طراد حيث تم ذلك في سنتي 1984- 1985.

زملائه في الدراسة

       من زملائه في الدراسة في الالفية: الشيخ عبد الكريم القاسمي. من زملائه في دراسة الاصول في النجف: السيد محمد سعيد خلخالي والسيد علي المرعشي. من زملائه في دراسة المعالم والمنطق: الشيخ حيدر الفلوجي.

التدريس

        أما التدريس فقد درَّس كل المقدمات من قطر الندى والرسالة العملية وكتاب المنطق وكتاب الشرائع , وذلك منذ كان في النجف الاشرف، أما في لبنان فقد أعاد تدريسها ثانية عدة مرات إلى أن وصل الى تدريس كتاب أصول الفقه للشيخ المظفر في معهد الثقلين الذي كان في حارة حريك وكذلك حلقات الشهيد الصدر الاولى والثانية وقسم من الثالثة. ودرّس لفترة قصيرة في حوزة الرسول الاكرم كتاب أصول الفقه أثناء إدارة الشيخ حسن حلال. ودرّس كتاب الكفاية من بداية التسعينات الى عام 1993 . وقتها إنتقل الى الاشراف على الأبحاث والكتابات التي كان يكتبها الطلبة في معهد الثقلين في كافة المواد العلمية والبحثية .

المؤلفات

له عدة مؤلفات منها:

- ألّف في النجف الأشرف شرحا ً على شرح إبن الناظم للألفية ووصل فيه الى باب الحال غير أنه لم يتمكن من إنقاذه بعد تسفيره من العراق.

- كتبت شرحا ً لأبواب اللمعة: الطهارة والصلاة والصوم والحج – وقد تلف في منزله في كيفون أثناء حرب الجبل اذ دمر المنزل على ما فيه.

- ألف كتاب التنبيهات والتوضيحات على منطق المظفر وشاء الله أن ينقذه من تحت الدمار في منزله في حارة حريك بعد حرب تموز 2006 – بعد عملية بحث طويلة شاركه فيها بعض الإخوة أثناء رفع الأنقاض. وهو في صدد إعادة تأهيله وإخراجه وطبعه انشاالله.

المؤتمرات

- شارك في عدة مؤتمرات دعي اليها : وكان له فيها أبحاث منها :

- مؤتمر السيد عبد الحسين شرف الدين في قم – كتب رسالة في الفرق بين المصالح المرسلة والاحكام التدبيرية.

- مؤتمر الشهيدين في قم وكتب رسالة في الاستعانة بالحاكم الجائر.

- مؤتمر رابطة أهل البيت العالمية في مدينة "ملنوس كنيس" حيث كتبت تحقيقا ً عن الشيعة في لبنان تاريخيا ً.

- أرسل رسالة الى مؤتمر الامام الصادق في مدينة بندر عباس بعنوان مبحث القياس والنقض عليه.

- المؤتمر العاشورائي في تجمع العلماء المسلمين حيث شارك في موقف الشيعة من المناسبة وكان زملائه السيد عبدالله نظام عن الشيعة والشيخ ماهر حمود والشيخ هشام خليفة عن السنة.

- وكانت له مداخلات في كثير من اللقاءات والمؤتمرات ذات العنوان العلمي والثقافي، كما في تكريم وكتابة العديد من الرسائل.

المحاضرات

- كانت اكثر المحاضرات تتم في الحوزات والجامعات فضلا ً عن بعض الثانويات، منها:

- حوزة الرسول الأكرم (ص) عن آليات التحصيل العلمي.

- حوزة اصفهان عن التبادل العلمي بين العلماء. "المعهد التابع للسيد محمد سعيد الحكيم".

- الجامعة اللبنانية – كلية الآداب والعلوم الانسانية عدة مرات وكانت المحاضرات ذات طابع فكري.

- جمعية التعليم الديني تحت عنوان الإنفتاح العلمي.

- قاعة الجنان – المحاضرة العاشورائية تحت عنوان إدعاء مشروعية قتل الحسين من قبل من قال بها.

- جامعة L I U - تحت عنوان الإسلام والانسانية .

- الجامعة اللبنانية – كلية الاقتصاد عدة محاضرات متسلسلة تربوية.

- جمعية أصدقاء البيئة عدة محاضرات ذات الشأن في بيروت والجنوب والبقاع ذات إطار جامعي.

- الجامعة اللبنانية – كلية الطب : الإسلام مرادف لمقتضيات الطبيعة البشرية

 

الـقـائـمة الـرئيـسـيـة
ميثاق الحوزات العلمية في لبنان
جمعية الإمام الحسين بن علي(ع)
العلامة السيد عبد الكريم فضل الله
جمعية حياة بالأخضر أحلى
حملة مصابيح الهدى
عدد الزوار: 696884    إبتداءاً من :2012-04-17
Copyright (c) 2011  |  Athaqalayn - Designed and Developed by Delta Call s.a.r.l