بحث
المكتبة المقروءة
الأخبار
مواقيت الصـلاة
19-09-2017 الثلاثاء
05:15
صلاة الصبح
06:24
الشروق
12:34
صلاة الظهر
04:01
العصر
06:54
صلاة المغرب
08:00
العشاء
11:52
منتصف الليل
حسب التوقيت المحلي لمدينة بيروت
أهم المناسبات
2017-04-30
3 شعبان
مولد الإمام الحسين (عليه السلام)
2017-05-02
5 شعبان
مولد الإمام السجاد (عليه السلام)
2017-05-08
11 شعبان
مولد علي الأكبر (عليه السلام)
2017-05-12
15 شعبان
مولد الإمام المهدي المنتظر(عج)
2017-05-01
4 شعبان
مولد العباس عليه السلام
أخر الأصدارات
أرسل إلى صديق
بريدك الإلكتروني :
بريد الصديق :
مسـائــل عـقائديـة
مسـائــل عـقائديـة >> مفاهيم عقائدية

معاني التقية في القرآن الكريم

 قال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" آل عمران:102

قال الله تعالى: "لا يَتَّخِذُ المُؤمِنُونَ الكَافِرِينَ أَولِيَاءَ مِن دُونِ المُؤمِنِينَ وَمَن يَفْعَلُ ذَلِكَ فَلَيسَ مِنَ اللهِ فِي شيءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُم تُقَاةً" آل عمران: 28.

قال الله تعالى: "وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكتُمُ إِيمَانُهُ" غافر: 28.

قال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" الحجرات: 13

قال الله تعالى: "لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" الممتحنة: 8

قال الله تعالى:  "لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ ِلأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ"  المائدة:28

قال الله تعالى: "وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ" فصلت: 34

قال الله تعالى: "وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" المائدة: 2

 

التقية عند الشيعة الإمامية

      قال رسول الله صلى الله عليه وآله في خطبة حجة الوداع: أُوصيكم عباد الله بتقوى الله وأَحُثُّكُم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير، أما بعد: أيها الناس اسمعوا منّي أُبَيِّن لكم فإني لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا. أيّها الناس إن دماءكم وأموالكم حرامٌ عليكم إلى أن تلقَوا ربَّكم، كحُرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهمّ فاشهد. 

        إن التقية كما أدبنا عليها القرآن الكريم وأهل البيت عليهم السلام هي النهي عن كل فعل أو قول يؤدي إلى إراقة الدماء أو تشويه المعتقد وهدمه أو إيجاد الفرقة والخلاف بينك وبين أخيك الإنسان بأن تتقي كل ما يؤدي إلى الاختلاف والتنازع بينك وبين من يختلف معك في المعتقد أو الجنس والعيش معه بسلام ما دام هو لم يعتد عليك. لكن الفكر الظلامي الجاهل شوه هذه العقيدة الإسلامية بما يحمله من جهل وعصبية وحقد وبما تعلمه من أئمة الضلال فنـزع هذه الكلمة من قاموسه وأسس لفكر التكفير والقتل وتجاوز ذلك لينشر الرعب في جميع بلدان العالم وبذلك فقد قدموا صورة مشوهة عن الإسلام وقدموه على أنه دين يقوم على القتل والتدمير.

 

        والتقية أمر عقلائي أكدت عليه الشريعة، وله نماذج كثيرة في تاريخ الرسل والأنبياء، وعليه شواهد كثيرة في القرآن الكريم والسنة الشريفة وأقوال علماء الفريقين، ويسرنا هنا أن نعرض لك أخي المسلم جملة من هذه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة وأقوال العلماء التي تعرضت لمعنى التقية.

الصدق

 مقدّمة:

لا بدّ لكلِّ مجاهدٍ تائقٍ إلى الكمال والسَّعادة الحقيقية، أن يبحث عنهما أولاً في نفسه فإذا وجدهما ارتاحت نفسه واطمأنت وعاشت السَّلام الذي تنشده وتبحث عنه على الدوام. وكمال كلّ نفس وقيمتها في ما تختزنه من الفضائل الأخلاقيّة والصّفات الحميدة. فكلما تخلقت هذه النَّفس بالصفات الحميدة والأخلاق الإلهيّة كلما صفت وطهرت وتنورت، وبالتالي ارتقت في مراتب الكمال الإنساني وتدرجت في المقامات المعنوية الرفيعة. فصفات النَّفس هي التي تحدّد جوهر ومعدن هذه النَّفس، وترسم للإنسان صورة مصيره بعد أن يغادر هذا العالم وليس في جعبته سوى صورته الخلقية وما عمله من أعمال في هذه الحياة الدنيا. لذا من منطلق الأهمِّية التي تشكّله هذه الصفات والأخلاق لا بد للإنسان التائق إلى لقاء ربه أن يجهد نفسه في التعرف على هذه الفضائل ويسعى للتحلي بها، وسنحاول في هذه الفصول أن نسلط الضوء على بعض هذه الشمائل ونكمل ما سبق، وأن بدأنا به عندما تحدّثنا عن صفات وخصال المجاهدين الأساسيّة، ونذكر منها:

مفهوم الصدق:
الصِّدق هو مطابقة القول للواقع، وهو من أشرف الفضائل النفسيَّة والمزايا الخلقيّة، لخصائصه الجليلة، وآثاره الهامَّة في حياة الفرد والمجتمع. فهو أساس الإيمان، ورمز استقامة المجتمع وصلاحه، وسبب كلّ نجاح ونجاة، لذلك مجَّدته الشَّريعة الإسلاميّة وحرَّضت عليه، قرآناً وسنَّة.

فضيلة الصدق:

في القرآن:
قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَالَّذي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ ما يَشاؤُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنينَ.
وقال عزَّ اسمه: ﴿قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدينَ فيها أبداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظيمُ.
وقال عزَّ وجلَّ في آية أخرى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقينَ.

في الروايات:
عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "أَربع من كنَّ فيه كمل إيمانه وإنْ كان من قرنه إلى قدمه ذنوبا لم ينقصه ذلك. قال, وهو الصِّدق وأَداء الأمانة والحياء وحسن الخلقِ".
وعن عمرو بن أَبي المقدام قال لي الإمام الباقر عليه السلام في أَوَّل دخْلَةٍ دخلت عليه: "تعلَّموا الصِّدق قبل الحديث".
عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: أوصيك يا عليّ في نفسك بخصال اللّهمّ أَعنه الأولى الصِّدق ولا يخرج من فيك كذبة أبداً"

. عن أَبي جعفر بن محمّد عليه السلام قال: "أَحسن من الصِّدق قائله وخير من الخير فاعله".
وعن أمير المؤمنين علي عليه السلام قال: "الصِّدق يهدي إلى البر والبر يدعو إلى الجنّة وما يزال أَحدكم يصدق حتى لا يبقى في قلبه موضع إبرة من كذب حتى يكون عند اللَّه صادقا". 
جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "فقال يا رسول اللَّه ما عمل أَهل الجنّة، قال صلى الله عليه وآله وسلم: الصِّدق إذا صدق العبد برَّ وإذا برَّ آمن وإذا آمن دخل الجنّة".
عن النَّبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "قال تحرَّوا الصِّدق فإنْ رأَيتم فيه الهلكة فإنَّ فيه النجاة".
وقيل لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم أَيّ الأخلاقِ أَفضل قال صلى الله عليه وآله وسلم:"الجود والصدق".
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "من صدق لسانه زكى عمله".

أهميّة الصدق:
إنّ من ضرورات الحياة الاجتماعيّة ومقوّماتها الأصيلة شيوع التفاهم والتآزر بين أفراد المجتمع الواحد، ليتمكنوا من النهوض بأعباء الحياة، وتحقيق غاياتها وأهدافها، لينعموا بحياة هانئة وكريمة، ملؤها المودة والسلام. وهذا لا يتحقق إلا بالتفاهم والتعاون الوثيق وتبادل الثقة والائتمان بين الأفراد. ومن البديهي أن اللّسان هو أحد أهم أداة التفاهم

والتواصل بين البشر، والترجمان العملي لأفكارهم وما يدور في خلدهم، فهو يلعب دوراً خطيراً في حياة المجتمع والأفراد. وعلى صدق اللّسان وكذبه تبنى سعادة المجتمع وشقائه، فإن كان اللّسان صادق القول، وأميناً في الشَّهادة والنقل، كان عاملاً مهماً في إرساء السَّلام في المجتمع، وزيادة أواصر التفاهم والتعاضد بين أفراده، وكان رائد خير ورسول محبة بين البشر. وأما إن كان متصفاً بالخداع والتزوير، والخيانة والكذب، غدا رائد شر، ومدعاة للتباغض بين أفراد المجتمع، وسبباً لخرابه وفساده. لذا كان الصِّدق من ضرورات الحياة الإجتماعية والفردية لما له من انعكاسات مباشرة على كلّ منها، فهو نظام عقد المجتمع السعيد والمسالم، ودليل استقامة أفراده والمؤكد على صحّة وقوة إيمانهم. لذا كان التأكيد والحث الشديد في الآيات والروايات عليه لأنّه باختصار العمود الفقري لمجتمع معافىً وسليمٍ من الأحقاد والتنازع.

أقسام الصدق:
للصدق صور وأقسام أبرزها:
1-
الصِّدق في الأقوال: وهو الإخبار عن الشيء على حقيقته من غير تحريف أو تزوير.
2-
الصِّدق في الأفعال: وهو مطابقة القول الفعل، كالبر بالقسم والوفاء بالعهد.
3-
الصِّدق في العزم: وهو التصميم على أفعال الخير، فإن قام بانجازها كان صادق العزم.
4-
الصِّدق في النيَّة: وهو تطهير النيَّة من شوائب الرياء وغيرها من الآفات، والإخلاص لله تعالى في القصد بحيث لا يكون الدافع ولا القصد سوى رضا الله والتقرب إليه

المفاهيم الرئيسية:

1- الصِّدق هو مطابقة القول للواقع.
2-
الصِّدق من ضرورات الحياة الاجتماعية والفردية ، وهو نظام عقد المجتمع السعيد والمسالم، ودليل استقامة أفراده والمؤكد على صحّة وقوة إيمانهم.
3-
الصِّدق مراتب: منه الصِّدق في الأقوال، والصِّدق في الأفعال، والصِّدق في العزم، والصِّدقُ في النيَّة.

 

المعاد

 


إن لبحث المعاد أثراً كبيراً على صعيد الحياة الدنيوية وعلى صعيد السعادة الأخروية من حيث إيجاد محفز ودافع قوي لسير الإنسان نحو تكامله. لهذا كان البحث في المعاد محط اهتمام جميع الأديان وفي كل العصور حتى أنّ‏َ أحد وجوه الحكمة في بعث أصحاب الكهف هو إثبات المعاد لوجود الجدل الكبير حينها بين الناس فكان إحياؤهم دليلاً قاطعاً أمام المنكرين يقول تعالى:
 ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنّ‏َ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ ايَاتِنَا عَجَبًا، ﴿ثُمّ‏َ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيّ‏ُ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا، ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنّ‏َ وَعْدَ اللَّهِ حَقّ‏ٌ وَأَنّ‏َ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا1.

ولو ألقينا نظرة على القرآن الكريم لوجدنا أن ثلث القرآن يتكلم عن المعاد أي ما يقرب من (1200) آية من مجموع آياته، وأن اللّه تكلم عن اليوم الآخر في كل موضع تكلم فيه عن الإيمان باللّه كقوله تعالى:

﴿وَلَكِنّ‏َ الْبِرَّ مَنْ امَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ2.

﴿إِن كُنّ‏َ يُؤْمِنّ‏َ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاخِر3.

﴿مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ4.

﴿يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ5.

﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ امَنُواْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ6.

إلى غير ذلك من الآيات التي قرن فيها تعالى الإيمان به بالإيمان باليوم الاخر ما يقرب من ثلاثين اية.


أسماء المعاد في القرآن:

عبَّر القرآن الكريم في مئات الآيات الكريمة بتعبيرات متنوعة عن المعاد وكل تعبير يتناول بعداً من أبعاده وأهم هذه الأسماء:
1- قيام الساعة.

2- إحياء الموتى.
3- البعث.
4- الحشر.
5- النشر.
6- المعاد والعود.
7- لقاء اللّه.
8- الرجوع.
9- القيامة.
 10- اليوم الآخر.
11- يوم الحساب.
12- يوم الدين.
13- يوم الفصل.
14- يوم الخروج.
15- اليوم الموعود.
16- يوم الخلود.
17- يوم الحسرة.
18- يوم التغابن.

إلى غير ذلك مما يقارب السبعين اسماً.



دلائل المعاد في القرآن الكريم:

هناك طرق كثيرة في القرآن الكريم يمكن إثبات المعاد من خلالها.

1- آيات الخلق الأول:

يقول تعالى:
 ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلّ‏ِ خَلْقٍ عَلِيمٌ7.

ويقول تعالى:
 ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ8.

ويقول تعالى:
 ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمّ‏َ يُعِيدُهُ إِنّ‏َ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ9.

ويقول تعالى:
 ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمّ‏َ يُعِيدُهُ ثُمّ‏َ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ10.

ففي هذه الآيات الكريمة يبين الله تعالى إمكان إثبات المعاد بدليل أن الذي خلقها وكوَّنها في أول مرة قادر على إحيائها وخلقها من جديد مرة ثانية، لأن القدرة واحدة بل لعل الخلق الثاني أهون وأيسر بنظر المخلوقين ولكن عند الله تعالى أيسر في كل المراحل لأن قدرته متساوية لجميع الأشياء.

2- آيات القدرة الإلهية المطلقة:

البحث في المعاد يأتي بعد إثبات التوحيد والصفات الثبوتية والسلبية وإن إحدى صفاته تعالى (قدرته غير المحدودة) التي ظهرت في خلق السماوات والأرض والمجرات والكواكب وتنوع المخلوقات ودقة النظام، وذلك كله لدليل على قدرته تعالى يقول تعالى:


﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنّ‏َ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ11.

ويقول تعالى:
 ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنّ‏َ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ12.

ويقول تعالى:
 ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمّ‏َ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْاخِرَةَ إِنّ‏َ اللَّهَ عَلَى كُلّ‏ِ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ13.

ففي هذه الآيات المباركة يقيس اللَّه تعالى إحياء الموتى بخلق السموات والأرض فالذي يخلق هذا الخلق العظيم قادرٌ على إعادة الإنسان الذي خلقه أولاً.

3- آيات إحياء الأرض:

إحياء النباتات الميتة هي ظاهرة أخرى من الظواهر الدالة على المعاد والتي أشار إليها القرآن الكريم في عدد من اياته فذلك النظام وتلك الحالة المتكررة والمتجددة في كل عام لدليل صريح على المعاد حيث إن كل من على الأرض يرى هذه النباتات كيف تموت وكيف تُحيا في كل عام وعند كل موسم إذا تهيأت لها ظروف الحياة. وإن الحاكم على موت هذه النباتات وعلى إحيائها هو نظام واحد في كل الموارد وحتى على الإنسان وباقي المخلوقات.

يقول تعالى:
 ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبّ‏َ الْحَصِيدِ ءوَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ14.

ويقول تعالى:
 ﴿يُخْرِجُ الْحَيّ‏َ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيّ‏ِ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ15.

ويقول تعالى:
 ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ‏ِ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنّ‏َ اللَّهَ هُوَ الْحَقّ‏ُ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلّ‏ِ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ16.

وفي هذه الآيات أيضاً يقيس اللَّه تعالى إحياء الإنسان بإحياء النباتات بعد موتها لأنها تابعة لنفس القانون وهو أمرٌ يحتاج إلى تأمل وتفكُّر، ونحن لا نعتني كثيراً بهذا التغيير في النباتات لأننا اعتدنا مشاهدته في كل عام فصار أمراً عادياً وإلا فإنه تابع لنظام دقيق.

4- آيات تطور مراحل خلق الإنسان:

إن التغيّرات التي تطرأ على النطفة منذ استقرارها في الرحم حتى الولادة وتقلّبها وتبدلها في تلك المرحلة لخير دليل على ثبوت المعاد، لأنه نموذج من نماذجه فإن الإنسان بموته ينتقل من مرحلة إلى مرحلة أخرى.

يقول تعالى:
 ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمّ‏َ مِن نُّطْفَةٍ ثُمّ‏َ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمّ‏َ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمّ‏َ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا... * ذَلِكَ بِأَنّ‏َ اللَّهَ هُوَ الْحَقّ‏ُ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلّ‏ِ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ17.

ويقول تعالى:
 ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيّ‏ٍ يُمْنَى ءثُمّ‏َ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى18.

ففي هذه الآيات يشير القرآن الكريم إلى مراحل الإنسان الأربع "التراب، النطفة، العلقة، المضغة" وكل مرحلة تُعتبر بنفسها عالماً عجيباً.


نماذج واقعية عن المعاد:

بالإضافة إلى الأدلة القرآنية التي مرَّت حول إمكان المعاد فإن القرآن الكريم ذكر شواهد تاريخية واقعية على المعاد في آيات وحوادث متعددة منها:

1- قصة أصحاب الكهف، التي ذكرناها في بداية البحث حيث بعثهم اللَّه تعالى بعد ثلاثمائة وتسع سنوات لكي يكونوا دليلاً حياً على المعاد. يقول تعالى:
 ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنّ‏َ وَعْدَ اللَّهِ حَقّ‏ٌ وَأَنّ‏َ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا19.

2- قصة النبي عزير عليه السلام الذي أماته اللَّه تعالى مائة عام ثم بعثه عندما مرَّ على قرية مهجورة فأراد أن يشاهد إحياء الموتى بنفسه ليكون ذلك دليلاً قاطعاً أمام المنكرين.

يقول تعالى:
 ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمّ‏َ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ايَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا20 ثُمّ‏َ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنّ‏َ اللّهَ عَلَى كُلّ‏ِ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ21.

3- قصة النبي إبراهيم عليه السلام مع الطيور الأربعة عندما طلب من اللَّه تعالى أن يرتيه كيف يحيي الموتى حتى يطمئن قلبه.

قال تعالى:
 ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ‏ِ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنّ‏َ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنّ‏َ22 إِلَيْكَ ثُمّ‏َ اجْعَلْ عَلَى كُلّ‏ِ جَبَلٍ مِّنْهُنّ‏َ جُزْءًا ثُمّ‏َ ادْعُهُنّ‏َ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنّ‏َ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ23 هذا بالإضافة إلى شواهد أخرى ذكرها القرآن الكريم وكذلك إحياء النبي عيسى عليه السلام للموتى لدليل واضح على ذلك.


العدل دليل على المعاد:

إنه من المسلم أن في هذه الدنيا يوجد ظالمون ومظلومون ولكن حقهم لا يأخذونه في هذه الدنيا بصورة كاملة فمقتضى العدالة الإلهية أن يقتص اللَّه تعالى من الظالمين للمظلومين بمحاسبة عادلة وهذا لا يتحقق في الدنيا لأنهم قد يموتون من دون تحقق ذلك فلا بد أن يوجد عالم يحاسبون فيه ويؤخذ الحق منهم وهو عالم الآخرة.

يقول تعالى:
 ﴿أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ امَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ24.

وذلك مقتضى عدالة اللّه سبحانه وتعالى لأنه لا يظلم مثقال ذرة كما مرَّ في مبحث العدل. 

يقول تعالى:
 ﴿إِنّ‏َ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ25.

ويقول تعالى:
 ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ26.

فيبعث اللّه تعالى البشر حتى يحاسبهم.
 

محكمة العدل الإلهي:

إن أهم منزل من منازل يوم القيامة مرحلة حساب الخلائق في محكمة العدل الإلهي فيسأل الإنسان فيها عن الصغيرة والكبيرة،
 ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا27.


حضور الجميع أمام المحكمة الإلهية

يقول تعالى:
 ﴿وَإِن كُلّ‏ٌ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ28.

فهذه الآيات تتحدث عن حضور جميع الأمم أمام اللَّه تعالى في محكمة عدله ليقفوا على جميع ما قدَّموه في حياتهم الدنيا واللَّه تعالى يأخذ الحقوق ويحكم بينهم يوم القيامة، يقول تعالى:
 ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ29.

﴿وَجَاءتْ كُلّ‏ُ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ30.

واللَّه تعالى في تلك المرحلة يُعطي البدن حتى الجلد القدرة على التكلم والنطق وكل عضو من الأعضاء يجيب عما فعله، والمذنبون يعاتبون جلودهم على شهادتهم.

﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ31.

﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلّ‏َ شَيْ‏ءٍ32.

ويجيبونهم بأن الأمر وكل شي‏ء بيد اللَّه وقدرته.


ميزان الأعمال:

وعند ذلك توضع الموازين الدقيقة لتزن أعمال العباد صغيرها وكبيرها.

﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ33.

﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقّ‏ُ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم34.

فكل شي‏ء يوزن بهذا الميزان سواء كان كبيراً أم صغيراً حتى وإن كان بمقدار حبة خردل فسوف يأتي بها اللَّه تعالى، وقيل إن ما يوزن هو صحيفة الأعمال وأن الميزان هم الأنبياء والأوصياء كما في تفسير البرهان35.

وقد ورد في الروايات أيضاً أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: هو ميزان الأعمال، لذلك نقول في الزيارة المطلقة لأمير المؤمنين عليه السلام (السلام على ميزان الأعمال)
36 وهو قسيم الجنة والنار كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام للمفضل بن عمر عندما سئل: "لمَ صار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قسيم الجنة والنار؟ قال: لأن حبه إيمان وبغضه كفر، وإنما خلقت الجنة لأهل الإيمان وخلقت النار لأهل الكفر فهو عليه السلام قسيم الجنة والنار"37.


السرعة في الحساب:

يقول تعالى:
 ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ38.

﴿إِنّ‏َ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ39.

﴿أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ40.

إن مسألة الحساب هي مسألة واضحة وجلية يوم القيامة حتى سمي ذلك اليوم بيوم الحساب جعلنا اللَّه تعالى من المستعدين لذلك اليوم العظيم.

 

نظرة قرآنية حول مفهوم الموت

نظرة قرآنية حول مفهوم الموت

نظرتان للموت:

 

ما زال مفهوم الموت عند الإنسانية جمعاء معضلة كبيرة تقلق فكر الإنسان، وتهز مشاعره، وتهيج أحاسيسه . بل لا يزال الموت معضلة المعضلات، ومشكلة المشاكل التي تواجه جميع الناس.

 

فمن الناس من يتعامى عن حقيقة الموت، ويغفل عنه، وكأنه غير موجود، ولا يهمه أمره، ومنهم من يتهرب من ذكره، بل هو لا يحب الموت وذاكريه في مسيرة حياته كلها...

 

وهؤلاء هم السواد الأعظم من الناس، والصنف الثاني من الناس يحاول أن يتدبر هذا المفهوم القديم ـ الحديث في الوقت نفسه.

 

القديم: منذ نشوء أول خلق دبّ على وجه الأرض، وأصابه الموت.

 

والحديث: منذ أن بدأ الإنسان يكشف بعض أسراره ، ويتعرف على بعض غوامضه شيئاً فشيئاً، خلال المسيرة البشرية الطويلة، ويبحث بتأمل عن سرّه وكنهه...

 

وهذا الصنف من الناس الذي يتعامل مع الموت بهذا الشكل الواعي، هم خواص الناس، بل هم خواص الخواص منهم.

 

فالطائفة الأولى من الناس: الذين يمثلون الكم الأكثر من البشرية، هم على خطأ في تعاملهم السلبي مع حقيقة الموت، لأن الموت حق وقد فرضه الله سبحانه وتعالى.

 

فالموت هو من المقادير الإلهية الموزونة، ومن الآجال الربانية المحسوبة، الدقيقة. وإلى هذا يشير القرآن الكريم بذكر قانون التقدير المتوازن العام بقوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْر )(1) .

 

وهو أيضاً مشيئة الله تعالى وقد كتبه وحتمّه على عبادة . وليس هوـ كما يراه البعض ـ بخس لحقوق العباد في الحياة!

 

 

الموت صديق الحياة:

 

والموت ـ في حقيقته ـ ليس ضداً للحياة، وإنما هو إنماء لها، وتوسيع لمعنى الحياة، ولولا الموت لما امتدت الحياة، وتوسعت وظهرت قيمتها في الوجود، فيكون (الموت) نعمة من نعم الله عزَّوجلَّ على ماهيّة الحياة وديمومتها، وعلى مسيرة جميع الأحياء، في كلّ زمان ومكان.

 

لذلك يتخذه الصنف الثاني من الناس(2)، وهم المتفكرون في الموت، وفي ما سيؤول حال الإنسان ـ كل إنسان ـ إليه، يتخذونه مدرسة تربوية معنوية من مدارس العلم ، والمعرفة ، والثقافة المصيرية للإنسان ، والتي قد تكون من أهم وأفضل المعارف الإنسانية العامة.

 

والموت لا تنفع معه كل وسائل الابتعاد منه، والتغافل عنه، والتهرب من ساحته، فلا يخدم الإنسان أسلوب الانهزامية في التعامل معه.

 

وكلما تتقدم لتتعرف عليه، وتتقرب منه، أعطاك الموت نفحات جميلة، وكشف لك عن بعض سرّه، فتبدأ تهواه وتحبه! والعكس صحيح، أي كلما تبتعد عنه، وتجهل كنهه، منع الموت عنك سبل التعرف عليه، ووضع حواجز سميكة فيما بينك وبينه، ومنعك من التقرب إليه، لذلك تقوم ببغضه، وفي المقابل يحصل معك الانجرار إلى حب الدنيا والتعلق بها، (( وحب الدنيا رأس كل خطيئة ))(3).

 

فتكون طريقة الحب له، والعلاقة معه، والعلم به، والتعرف عليه... أنفع بكثير للإنسان من طريقة البغض، والجهل به، والابتعاد عنه... لأن (الموت) قدر مقدر، وحكمة بالغة، تحدده الإرادة الربانية، وتحكمه القدرة الإلهية، وتديره ضوابط حركة السنن الإلهية في المسيرة الحياتية للمخلوقات أجمع.

 

فالموت ـ أو ملك الموت ـ لا يتعدى ، ولا يتجاوز ، ولا يظلم، ولا يجور، ولا يغدر، ولا.. ولا.. ثم إنه (أي الموت) ـ أيضاًـ رفيق الحياة، والعامل معها، وكأن الحياة تكشف عن معناها، ولا يتوضح معنى الحياة إلاّ عن طريق صاحبها (الموت)!

 

فيكون الموت وكأنه صديق الحياة، بل هو الكائن المتآلف مع الحياة، والحياة بدورها أيضاً متآلفة معه.

 

وهنا ينبغي التوقف قليلاً عند أبعاد هذه الفكرة، ونتأمل فيها شيئاً ما لأن فيها ـ على ما يبدو ـ سّراً من أسرار الموت، وحقيقة من حقائقه اللطيفة، والدقيقة.

 

فنقول: لا يألف الإنسان صاحبه إلاّ إذا كان هناك قرائن تشده نحو الألفة، لذلك قيل : (لا تسل عن المرء بل سل عن قرينه). فيمكن معرفة مستوى الإنسان، أو اتجاهه الفكري والعقيدي ، ونضوجه العقلي... وذلك من معرفة قرنائه وأصدقائه الذين يألف لهم، وينسجم معهم، وكذلك ـ وبالطريقة نفسها ـ يمكن معرفة حقيقة الحياة من خلال معرفة القرينة المتصلة بها، والكائن الرئيس المنسجم معها، ألا وهو (الموت)!

 

ولا تحصل الألفة والصداقة بين الشيئين إلاّ على أُسس واعتبارات معيّنة.. فيكون الموت الصديق الأقرب إلى الحياة، بل هو العنصر المتآلف الأول مع الحياة، لأنه عدل الحياة، وقيمة وكرامة الأحياء...

 

وإذا اعتبرنا (الموت) ضد الحياة ظاهراً، فأنه ـ في الحقيقة ـ أخو الحياة باطناً.

 

والشيء لا يظهر قيمته إلاّ الضد.

 

فمثلاً: لا تظهر للنائم قيمة النوم إلاّ عند التعب، ولا يعرف الإنسان قيمة الصحة إلاّ عند المرض، ولا يتوضح للإنسان قيمة العدل إلاّ عند مواجهة ألم الجور.. وهكذا.

 

وكذلك (الموت) فلا يمكن أن نتعرف على قيمته، وأهميته إلاّ عن طريق الحياة نفسها، (والعكس صحيح)، أي أن الحياة لا يمكن أن نتعرف على قيمتها وأهميتها إلاّ عن طريق الموت نفسه!

 

فيكون الموت عنوان الحياة، والحياة عنوان الموت!

 

ولا يمكن أن يتعرف الإنسان على أسرار الحياة إلاّ إذا بدأ أولاً بالتعرف على حقيقة الموت، وإن الذي يحب الحياة ثم يكره صديقها (الموت)، فإنه سوف يحب أحد الصديقين المتحابين، المتعاونين، المتقاربين... ويكره الصديق الآخر، فسوف يقع في الحالة المتناقضة غير المقبولة عقلاً.

 

والذي يحب الحياة ويكره الموت ـ أيضاً ـ تراه يعيش أنصاف الحياة !! أي يعيش الحياة غير المستقرة، وغير المطمئنة، وغير الهادفة، وغير الواعية.. حياة عقيمة من كل إبداع، وبعيدة عن الأصل المعنوي والروحي في الوجود.

 

 

علاقة قهرية ولكنها منسجمة:

 

إذا اعتبرنا أن الموت ضد الحياة ظاهراً، فهو كما تراه العيون المجردة ـ صحيح ـ ضد الحياة، ولكن في الحقيقة والجوهر، والنظر البعيد هو صديق الحياة، ولكن الله تعالى جعل بينهما علاقة انسجامية قهرية، قسرية ، موضوعية، تبنى على المصلحة الخاصة والعامة معاً، وعلى المدى القريب أو البعيد من الزمان...

 

والقرآن الكريم يشير إلى ذلك إشارة سريعة بقوله تعالى : ( وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ) (4) فالله تعالى قهر الروح في تعاملها مع الجسد، وقهر الحياة في تعاملها مع الموت... وهكذا.

 

فهذا الجانب القهري، القسري، الموضوعي، المنسجم بين علاقة الحياة مع الموت، مثله كمثل العلاقة القهرية، القسرية، الموضوعية، المنسجمة بين غازين مختلفين تماماً، متضادين ظاهراً، متفقين باطناً، كغاز الأوكسجين (O2) المساعد على الاشتعال، وغاز الهيدروجين (H2) الذي يشتعل، وباتحادهما وتفاعلهما في معادلة متوازنة، وعلى جانب من القهر الموضوعي الإلهي القسري المتزن بينهما، نتج عنهما الماء (H2O) السائل الذي لا يشتعل!

 

قهر الله سبحانه الأوكسجين بأن يتحد مع الهيدروجين ، حتى ينتج من اتحادهما (الماء) السائل الذي هو ينبوع الحياة، وأساس الأحياء. قال تعالى: ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُون َ)(5).

 

كذلك (الموت) الذي هو في الظاهر ضد الحياة، ولكن عندما قرنه الله تعالى بالعمل المشترك المنسجم مع حركة الحياة، وقهر حركة الحياة به، يعني أن هناك مصلحة كبرى بهذه المقاربة، والمفاعلة، والمقاهرة، الموضوعية المتزنة.

 

فمثلاً: نباتات الصيف لا يمكن أن يحل محلها نباتات الشتاء، إلاّ إذا انتهى دور نبات الصيف، وانتهت منافعها وحياتها. وكذلك لا يمكن أن تتعاقب الأجيال، جيلاً بعد جيل على مساحة الكرة الأرضية إلاّ إذا رحل جيل، وغادر الحياة، وحل محله جيل آخر.

 

حتى قيل لأحد العلماء الكبار، ما الحياة ؟ فقال : إنها محصورة بين كلمتين (بين أرحام تدفع ، وقبور تبلع !) وهذه سنّة الحياة الطبيعية.

 

وكأنما هناك تنوع في الأدوار، وتناوب في المواقع، وتبادل في الأهداف!

 

ومن الجدير ذكره:

 

أنّ حالة تناوب تسود حركة الموت مع حركة الحياة، في دائرتهما الكبيرة، ومساحتهما الواسعة، فهما بحاجة إلى التوقف على معادلة متوازنة دقيقة(6)، في كيفية التعامل مع متطلبات الحياة النامية الواعية المنتجة على جميع الأصعدة، وفي الطرف الآخر من المعادلة، الاستعداد للموت، والتهيؤ للقاء الله سبحانه في كل لحظة، بحيث يبقى الإنسان محافظاً على توازن هذه المعادلة الحقة ، فلا يبخس الإنسان المسلم حقه من متاع الحياة الدنيا المختلفة، فيبقى على استعداد لأن يملك كل شيء، ولا يملكه أي شيء، إلاّ مالك الملك سبحانه، وينبغي عليه أيضاً ألاّ يغفل عن الاستعداد للموت والتهيؤ للقاء الله سبحانه في كل لحظة، واستقبال الآخرة في كل الأوقات، (والعكس صحيح).

 

وهذه المعادلة الدقيقة المتوازنة ـ في متطلبات الحياة ومتطلبات الموت ـ بحاجة ماسة إلى عقول رشيدة، تكون قادرة على تحصيل التوازن المستمر الدقيق بين متطلبات الحياة المختلفة، ومتطلبات الموت الواعي ، وبين متطلبات الدنيا ومتطلبات الآخرة، وبين متطلبات الروح ومتطلبات الجسد.

 

وتلك الحقيقة السامية يصرح الإمام علي (عليه السلام) ويوضّحها بقوله : (( اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لأخرتك كأنك تموت غداً ))!

 

ــــــــــــــــــــــــ

 

(1) سورة الطلاق / 3.

 

(2) وهم الشهداء الكرام عليهم رحمة الله.

 

(3) أصول الكافي / ج2 / ص130 / عن الإمام زين العابدين (ع) / جزء من الحديث.

 

(4) الأنعام / 61.

 

(5) الأنبياء / 30.

 

(6) التي طرفها الأول يكون في كيفية التعامل... الخ (المصدر).

 

 

 

بقلم: مكي قاسم

 

 

هدف وغاية خلق الإنسان

 هدف وغاية خلق الإنسان

 

من الحقائق التي عرض لها القرآن الكريم ، إن الإنسان لم يخلق سدىً لاهدف له ولا غاية ، قال تعالى: (( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ )) (1) . وقال تعالى : (( إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ))  (2) ، وقال تعالى : (( يَا أَيُّهَا الاِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ )) (3) .

 

فلقاء الله والرجوع إليه ؛ هو الهدف الذي من أجله خُلق الإنسان ، والآيات لإثبات هذه الحقيقة كثيرة ، قال تعالى :  (( فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا)) (4) .

 

وقال أيضاً : (( إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ. أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ))  (5) .

 

تأسيساً على ذلك يطرح هذا التساؤل : كيف يمكن للإنسان أن يحقّق هذا الهدف ، وما هو الطريق الموصل إلى لقاء الله سبحانه وتعالى ؟

 

في مقام الإجابة نقول : إنّ الإنسان خُلق في نشأة الابتلاء والامتحان ; قال تعالى: (( خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً )) (6) ، فكلّ شيء في هذه النشأة لأجل امتحان الإنسان .

 

من هنا وضعه الله تعالى على مفترق الطريق ، ليختار لنفسه الاتجاه الذي يريد ، قال تعالى : (( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا )) (7) ، وقال تعالى:  (( فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ )) (8).

 

فإذا استطاع الإنسان أن يقف على الطريق الذي يوصله إلى الهدف الذي خلق من أجله فهو المهتدي ، وإلاّ فيكون من الضالّين .

 

وانطلاقاً من هذه الحقيقة ، يدعو الإنسان ربّه مرّات عديدة في صلواته اليومية (( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ )) (9) ، لأنّ أفضل الطرق وأحسنها وأقصرها للوصول إلى الهدف هو الصراط المستقيم ، وإذا لم يوفّق الإنسان لسلوك هذا الطريق ؛ فهو ضال لا محالة ، ولا تزيده سرعة المشي في غير الصراط المستقيم ؛ إلاّ بعداً عن الهدف .

 

وإلى هذا أشار الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله : (( العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة المشي إلاّ بُعداً )) (10) .

 

إذن فما هو الصراط المستقيم الذي يجب على السائر أن يسلكه للوصول إلى قرب الله ولقائه ؟

 

لقد بيّن القران الكريم ذلك بقوله تعالى : (( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )) (11) ، وكذلك قوله تعالى (( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا )) (12) .

 

ومن الواضح أنّ الأنبياء جميعاً وعلى رأسهم خاتم الأنبياء والمرسلين ؛ هم من الذين هداهم الله إلى الصراط المستقيم ، قال تعالى : (( كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ. وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ . وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَع َوَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ . وَمِنْ آبَائِهِم وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِراط مستَقِيم . ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ )) (13) .

 

على هذا يكون الصراط المستقيم الموصل إلى الله تعالى هو إتباع الخاتم (صلّى الله عليه وآله) ، ولا يتحقّق هذا الإتباع ؛ إلاّ بالأخذ بكل ما جاءنا عنه (صلّى الله عليه وآله) قال تعالى : (( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا )) (14) ، وما ذلك إلاّ لأنّه (صلّى الله عليه وآله) (( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى )) (15) .

 

ثمّ إنّ الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) حدّد كيفية إتباعه من أجل السير على الصراط المستقيم ، والخلاص من الضلالة بقوله : (( إنّي تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي ؛ كتاب الله حبلٌ ممدود من السماء إلى الأرض ؛ وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفونني فيهما)) حيث بيّن (صلّى الله عليه وآله) : أنّ المنجي من الضلالة هو التمسّك بالقرآن والعترة الطاهرة (عليهم السلام) معاً .

 

ولذا نقرأ في الدعاء : (( اللهمّ عرّفني نفسك ، فإنّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف رسولك ، اللهمّ عرّفني رسولك ، فإنّك إن لم تعرّفني رسولك لم أعرف حجّتك ، اللهمّ عرّفني حجّتك فإنّك إن لم تعرّفني حجّتك ضللت عن ديني )) (16) .

 

فالذي ينجي الإنسان من الضلالة ويهديه الصراط المستقيم ، هو معرفة الله والرسول والحجّة في كلّ زمان ، ثمّ إنّ القرآن بيّن لنا حقيقة أخرى فيما يرتبط بالإنسان حيث قال : (( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم . ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ )) (17) .

 

فالإنسان وهو في نشأة الدنيا يعيش في أسفل السافلين ، فعليه بعد أن تبيّن له الهدف والطريق أن يصعد من الأسفل إلى الأعلى (( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ))  (18)  ، وليس هذا الصعود مكانياً بل هو معنوي ، ذلك أنَّ الارتفاع والصعود إلى الأعلى تارة يكون مكانياً ، كما لو صعد الإنسان على مرتفع من الأرض مثلاً ، وأخرى يكون معنوياً ، كما في قوله تعالى في حق إدريس (عليه السلام) : (( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا )) (19) ، إذ ليس المراد هو الارتفاع المكاني ، بل ارتفاع مكانته عند الله تعالى .

 

من هنا نجد أنّ القرآن الكريم والروايات الواردة عن النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ، ذكرت أنّ هذا الصعود إليه تعالى يحتاج إلى حبل ، قال تعالى : (( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا )) (20) ، وللوقوف على هذا الحبل الذي أمرنا القرآن بالاعتصام به ، نرجع مرّة أخرى إلى حديث الثقلين المتواتر بين الفريقين ، لنقف على حقيقة هذا الحبل ، وما هو المقصود به ؟

 

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في خطبته المشهورة ، التي خطبها في مسجد الخيف في حجّة الوداع : (( إنّي مخلّف فيكم الثقلين ، الثقل الأكبر القرآن ، والثقل الأصغر عترتي وأهل بيتي ، هما حبل الله ممدود بينكم وبين الله عزّ وجلّ ، ما إن تمسّكتم به لم تضلّوا )) (21) .

 

حيث عبّر الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) عن القرآن والعترة ؛ بأنّهما حبل واحد لا حبلان ، وهذا معناه أنّ التمسّك بالعترة ليس شيئاً وراء التمسّك بالقرآن الكريم ، بل هما حقيقة واحدة ، لكن الفرق بينهما أنّ العترة هم القرآن الناطق ، وأنّ القرآن هو العترة الصامتة .

 

لذا ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في ذيل قوله تعالى : (( إِنَّ هَذَا الْقُرآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ )) (22) : - إنّه يهدي إلى الإمام - (23) .

 

ومنه يتّضح معنى ما قاله أمير المؤمنين علي (عليه السلام) : (( ذلك الكتاب الصامت ، وأنا الكتاب الناطق )) (24) ، فلا يعني بذلك أنّه هو الناطق باسم القرآن ، بل عنى أنّه هو القرآن المتجسّد ، ولذا ورد عن الفريقين عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( علي مع الحق والحق مع علي ، يدور معه حيثما دار ))  (25) ، أي يدور الحق حيثما دار علي ، لأنّه هو القرآن الناطق ، أي هو التجسيد الحي لكتاب الله في واقع الناس وحياتهم .

 

وعلى هذا الأساس نستطيع أن نفهم ما ورد في تفسير العياشي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال : (( الصراط المستقيم أمير المؤمنين عليه السلام )) ، وكذلك ما ورد في المعاني عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : (( هي الطريق إلى معرفة الله ، وهما صراطان ، صراط في الدنيا وصراط في الآخرة ، فأمّا الصراط في الدنيا فهو الإمام المفترض الطاعة ، من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مرّ على الصراط الذي هو جسر جهنّم في الآخرة ، ومن لم يعرفه في الدنيا زلّت قدمه في الآخرة فتردى في نار جهنّم )) .

 

وما ورد عن الإمام السجّاد (عليه السلام) : (( ليس بين الله وبين حجّته حجاب ، ولا له دون حجّته ستر ، نحن أبواب الله ، ونحن الصراط المستقيم ، ونحن عيبة علمه وتراجمة وحيه ، ونحن أركان توحيده ، ونحن موضع سرّه )) (26) .

 

بعد أن تبيّن أنّ الإنسان مسافر إلى الله تعالى ، وكادح كدحاً للوصول إليه والقرب منه واللقاء به ، وأنّ ذلك لا يتحقّق إلاّ من خلال إتباع القرآن والعترة الطاهرة ؛ اللذين هما حبل الصعود إليه سبحانه ، أشار القرآن إلى زاد هذا السفر الإلهي ، حيث قال : (( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى )) (27) .

 

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : (( أوصيكم عباد الله بتقوى الله التي هي الزاد وبها المعاذ ، زادُ مبْلِغ ، ومعاذ منجح ، دعا إليها أسمع داع ، ووعاها خير واع ، فأسمع واعيها ، وفاز داعيها )) (28) .

 

وقد أشار القرآن الكريم إلى أن خير مطية يمتطيها الإنسان ؛ لكي يصل إلى هدفه هو قيام الليل ، قال تعالى : (( وَمِنَ اللَيلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لكَ عَسَى أَن يَبْعَثكَ رَبُّكَ مَقَامًا محْمُودًا )) (29) ، وقال تعالى : (( قُمِ اللَيلَ إِلاَّ قَلِيلاً* نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً )) (30) .

 

فتحصّل إلى هنا ، أنّ أفضل مركوب يمتطيه الإنسان للسير إلى الله تعالى هو قيام الليل ، وأن أفضل الزاد هو التقوى ، وأن أفضل طريق هو الصراط المستقيم .

 

وبهذا يتضح دور التقوى في حياة الإنسان ، وموضعها في منظومة الشريعة الإسلامية ، إذ كثيراً ما يقع الحث على التقوى من دون أن يتضح للسائر إلى الله موقع ذلك ، وموضعه في حياة الإنسان .

 

ــــــــــــ

 

(1) المؤمنون: 115 .

 

(2) العلق : 8 .

 

(3) الانشقاق : 6 .

 

(4) الكهف : 110 .

 

(5) يونس : 8 .

 

(6) الملك : 2 .

 

(7) الإنسان : 3 .

 

(8) الكهف : 29 .

 

(9) الفاتحة : 6 .

 

(10) الأصول من الكافي، لثقة الإسلام أبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي: ج1 ص43 / كتاب فضل العلم، باب من عمل بغير علم، الحديث: 1 .

 

(11) آل عمران : 31 .

 

(12) الأحزاب : 21 .

 

(13) الأنعام: 84 ـ 88 .

 

(14) الحشر : 7 .

 

(15) النجم: 3.

 

(16) مفاتيح الجنان: ص588، الدعاء في زمن الغيبة.

 

(17) التين : 4 ـ 5 .

 

(18) فاطر : 10 .

 

(19) مريم : 57 .

 

(20) آل عمران: 103 .

 

(21) بحار الأنوار: تأليف العلم العلاّمة الحجّة فخر الأمّة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدّس سرّه): ج92، ص102. مؤسسة الوفاء، بيروت ـ لبنان.

 

(22) الإسراء : 9 .

 

(23) أصول الكافي: ج1 ، ص216، كتاب الحجّة، باب إنّ القرآن يهدي للإمام. الحديث 2.

 

(24) بحار الأنوار: ج39 ، ص272 .

 

(25) بحار الأنوار : ج38 ، ص188 .

 

(26) نقلت هذه الروايات عن الميزان في تفسير القرآن

 

(27) البقرة: 197 .

 

(28) نهج البلاغة: الخطبة 114.

 

(29) الإسراء: 79 .

 

(30) المزمّل: 2 ـ 4

 

 

سماحة السيد كمال الحيدري

 

الـقـائـمة الـرئيـسـيـة
ميثاق الحوزات العلمية في لبنان
جمعية الإمام الحسين بن علي(ع)
العلامة السيد عبد الكريم فضل الله
جمعية حياة بالأخضر أحلى
حملة مصابيح الهدى
عدد الزوار: 624535    إبتداءاً من :2012-04-17
Copyright (c) 2011  |  Athaqalayn - Designed and Developed by Delta Call s.a.r.l